سجّلت الاأيام والساعات القليلة الماضية، وبخاصة غداة القمة العربية في جدّة سلسلة من المواقف والوقائع دلّت على حراك عكسي لِما كان يجري في المنطقة قبل القمة.
فمن انقلاب الأسد على توقيعه في بيان جدّة الى انقلاب وزير خارجيته فيصل المقداد على القرار رقم ٨٩١٤، مروراً بمناورات حزب الله العسكرية الأخيرة في الجنوب اللبناني، والذي أجمعت التحليلات والقراءات على كونها رسالة نارية موجّهة ليس فقط الى الداخل اللبناني بل خصوصاً الى الإقليم مفادها أن طهران لن تتوقف عن دعم ميليشياتها في تهديد أمن إسرائيل ومشروعها بتحرير القدس، وصولاً الى انقلاب الحوثي على المملكة العربية السعودية وشنّ عبد الملك الحوثي هجوماً شرساً على القيادة السعودية وصل حد تخوينها وتكفيرها وإعلان عدم التزام الحوثيين بمفاعيل اتفاق بكين، كل هذه المواقف المتقلبة رأساً على عقب على كل المبادرات الاإنفتاحية والاتفاقات الإقليمية الحديثة تؤكد ما سبق لنا وأشرنا اليه في أكثر من مقال عن وجود تململ، إن لم نقل رفض لدى الحرس الثوري الإيراني الكامل لكل ما جرى في بكين، وصولاً الى كل مبادرات الانفتاح السعودي- الخليجي على نظام الأسد ونظام طهران والحوثيين في اليمن.
انطلاقاً من هذا الاستنتاج، يمكن التوقف عند الآتي :
أولاً : تبيّن مع مضي الوقت أن الاتفاق السعودي- الإيراني لم يلغِ خطوط تماس المواجهات الإقليمية بل فقط هدّأ وتيرتها وجمّد مواجهاتها الى حين إعادة ترتيب الأوراق والأولويات الإقليمية، لا سيما بين كل من المملكة العربية السعودية وإيران.
ثانياً : بات من الملاحظ أن النظام في إيران، والذي يقبض الحرس الثوري على مفاصله الأساسية وقراراته الاستراتيجية في ظل ضعف ومرض المرشد علي خامنئي، ليس في وارد التخلّي عن الدول التي تحتلها بما فيها اليمن، حيث كان المعوّل إيجاد تسوية يُعمل عليها في ظل استمرار الحوثيين في التصعيد، وحركتهم امتداد لحركات باطنية تنتمي الى مذاهب توظف سياسياً للسيطرة على بلاد الحرمَين وقلب ولاية آل سعود على مكة والمدينة، وبالتالي من الواضح أن الدعم الإيراني للحوثي لا زال قائماً وأن إرسال الأسلحة والمخدّرات على قدم وساق بغاية استهداف الأمن والاستقرار في المملكة، ودغدغة العواطف الدينية بإدعاء الحرص على الإسلام والأماكن المقدسة الإسلامية من "طغيان" آل سعود كما يذكر الحوثي في أدبيات خطابه العدائي.
الحوثيون بهذا النهج الذين يتبعونه يذكروننا تماماً بالقرامطة حيث إدعى زعماؤهم أنهم من أهل البيت وجيّشوا لاستهداف بلاد الحرمَين، فتاريخهم حافل بانتهاك الأماكن المقدسة تحت شعار الحرص على الإسلام وعلى تلك الأماكن، وما ارتكبوه من جرائم متعاقبة يشهد عليها التاريخ.
ثالثاً : ثمة هدف لا يزال قائماً لدى إيران وجماعتها ووكلائها خصوصاً في اليمن لاستهداف أمن واستقرار كل دول الخليج لإبقائها كما العراق وسوريا دائرةً في الفلك الايراني، والدليل الصارخ مواقف الحوثي وتبرؤه من اتفاق بكين ومفاعيله باعتبار نفسه بأنه غير ملزَم بأي اتفاق خلاف تعهّد طهران بايقاف الدعم عن الحوثي (كذب ) فطهران لن تتقيّد بإيقاف الدعم للميليشيات ويكرّر الحوثي هجومه على آل سعود ويكفّرهم وكأننا عدنا الى ما قبل اتفاق بكين.
رابعاً : الميليشيات الإيرانية وبخاصة حزب الله من خلال مناوراته العسكرية الأخيرة تثبت بوضوح أنها لا تزال تتحكّم، ليس فقط بلبنان بل وأيضاً بقرار الحرب والسلم ضد إسرائيل، وبالتالي مسألة احترام سيادة لبنان ورفض وجود ميليشيات داخل الدول أمور تجاوزتها الوقائع والمواقف لوكلاء طهران.
خامساً : إن استئناف العلاقات الديبلوماسية بين الرياض وطهران لا يعني أبداً الصلح بينهما، بل فتح قنوات ديبلوماسية وسياسية مباشرة بين البلدين لتنظيم الخلافات وطرق معالجتها لتنتقل تلك المعالجات من منطق الصراع العسكري والميداني الى منطق الصراع السياسي والمواجهة السياسية، وبالتالي وجود تبادل ديبلوماسي وسفارات لا يعني تصالح، فروسيا الإتحادية اليوم ورغم المواجهة الدولية في أوكرانيا لا تزال تتواجد بسفاراتها في أوروبا وأميركا والعكس صحيح، فطالما هناك تبادل ديبلوماسي فإن الصراعات تبقى منضبطة ولنتذكر أن الصراع السعودي- الخليجي- الإيراني لم يستعر الا منذ إحراق السفارة السعودية في طهران وانتقال المواجهات الإقليمية الى الميادين العسكرية من أرمكو الى اليمن الى المضائق والموانيء الى مختلف دول المنطقة وصولاً الى غزة.
سادساً : مَن يراقب النظام السوري ومواقفه ومواقف وزير خارجيته ونائبه منذ العودة من قمة جدّة يلاحظ أمرين : الصمت والانقلاب .
ففي الصمت، لم يصدر عن النظام وعن الأسد شخصياً اأي تعليق أو تعقيب عما جرى معه في جدّة والذي كان مهماً وخطيراً جداً إن لجهة إهماله في كلمات رؤوساء الدول الذين رحبوا بعودة سوريا ( لا النظام ) وشددوا على اهتمام القمة بالشعب السوري وكيفية إنقاذه ( من دون ذكر النظام )، وما مواقف فيصل المقداد الأخيرة المتمحورة حول جحد توقيعه على قرار عمان رقم ٨٩١٤ وتنكّره له، ومن ثم اعتباره أن النظام نفذ القرار الأممي ٢٢٥٤ " في الشق الذي يهم النظام " كما لو أن القرار يُجتزأ ليختار منه الأسد à la carte، ما يعجبه من القرار وما لا يعجبه، في حين أن القرار إلزامي وقدر الأسد ونظامه أن ينتهيا على يد مَن يطبّقه،
فبتلك المواقف الجاحدة والمنقلبة على بيان القمة الذي وقعه بشار الأسد بخط يده وغادر المملكة بعدها مقفهر الوجه وعصبياً الى حد كبير بحسب ما نقل ممن التقاه أثناء المغادرة.
وفي المعلومات أن اللجنة المنبثقة من قمة جدّة برعاية الجامعة العربية عرضت على النظام السوري مساعدات مالية سخية لمتضرري الزلزال في سوريا وباقي المتضررين من أبناء الشعب السوري شرط أن لا تُسلّم تلك الأموال الى النظام،
وهذه اللجنة المقترَحة مهمتها ضمان استفادة المتضرّر مباشرة،
الا أن النظام اعتبر ذلك إهانة وعدم ثقة به، وعندما عاد الأسد الى دمشق تواصل مع المرشد الأعلى في إيران الذي كان أثناء انعقاد المؤتمر يقيل علي شمخاني المفاوض والموقّع على اتفاق بكين ليستبدله بعلي أحمداني من الحرس الثوري ومن المتشدّدين جداً، تعبيراً عن عدم موافقة الحرس الثوري على اللقاء بين الرياض وطهران .
إيران إطّلعت من الأسد على حصيلة قمة جدّة ومجرياتها وتشكيل اللجنة العربية للمتابعة، فكانت ردة فعل القيادة الإيرانية رفض إلزام النظام بأية مقررات، وكان رهانها أن يحضر الأسد القمة للتمويه وإظهار حسن نية شكلية تجاه السعوديين والخليجيين والعرب لا أكثر.
طهران في الواقع كانت تسعى من خلال حضور الأسد القمة الى سحب ما أمكن سحبه من مساعدات مالية من الرياض ودول الخليج .
إيران لم تقبل باللجنة التي قرّرتها القمة بوعد سعودي وبشروط الجامعة العربية، لذا انقلب فيصل المقداد وزير خارجية النظام على القمة ومقرراتها لدرجة يكاد يعتبر أن لا لقاء عُقد في عمّان مع أنه موقع على بيانه كما وأنه لا قمة عربية عُقدت، حتى أن النظام انقلب على الاجتماع الرباعي الذي عقد بمشاركة روسيا وتركيا وإيران والنظام السوري حيث لوحظت برودة في العلاقات بين الروس والنظام، تلك البرودة التي تعود الى فترة زيارة الأسد لموسكو مؤخراً حيث ومنذ ذلك الحين ثمة صمت بين الطرفين بغياب المديح والترويج لروسيا والتمجيد بها لكونها حائطاً لمساعدة النظام وإنقاذه.
بين انتفاضة الحوثي في اليمن ضد آل سعود وتهديده المملكة مجدداُ وتمرّد الأسد ونظامه على تواقيعه والتزاماته في قمة جدّة وقرار الجامعة العربية في عمّان ومناورات حزب الله، ثمة عودة أو حضور أميركي كثيف في المملكة العربية السعودية، ما يُثبت التنسيق القائم بموضوع الملف السوري وموافقة الروس على المقررات العربية لسوريا، فضلاّ عن الصين الموافِقة على قرارات القمة العربية والجامعة العربية.
السر وراء الانقلابات هو الحرس الثوري الذي قرّر على ما يبدو استعادة المبادرة القيادية في المنطقة، وقد تلق؟ف الحرس الثوري موقف موسكو من النظام وأعاد الأمر له، ما يُنذر بصيف سوري ساخن يصاحبه غليان إقليمي متفجر .