وفق التقارير العسكرية المتواترة، و تعزّز واشنطن مجدداً وجودها العسكري في الخليج العربي، في وقت تتصاعد المخاوف من تهديد إيراني متجدد لحرية الملاحة في مضيق هرمز.
هذا هو المشهد الحالي في منطقة الخليج، والذي تتكتم حوله وسائل الإعلام ولا تأتي على سيرته انطلاقاً من معادلة إعطاء الوقت الكافي لرؤية ما ستؤول اليه الاتفاقات التي أُبرمت بين لاعبين أساسيين في المنطقة، ولا سيما الاتفاق السعودي- الإيراني في بكين.
إلا أن الحقيقة الميدانية تخفي الكثير من التناقضات لا بل الكثير من الغموض حول المستقبل القريب لتلك الاتفاقيات ولحركة التطبيع الحاصلة انطلاقاً من اتفاق بكين بين دول المنطقة ومنها على سبيل المثال اليمن وسوريا.
ففي اليمن، هدنة لا أكثر الى الآن لأن الحوثي لا يزال يراهن على السلاح الإيراني وعلى إمكانية قلب المعادلات مجدداً في مواجهة الرياض، وفي سوريا قوانين أميركية تتوالى لتضيف الى قواعد قانون قيصر قواعد جديدة تمنع كلياً التطبيع مع نظام الأسد، وأكثر من ذلك واشنطن تعدّ العدة في شمال شرق سوريا لقلب المعادلات الميدانية مع حلفائها، مستهدفةً الروس والإيرانيين وصولاً الى الإطباق على نظام الأسد .
وكأن الولايات المتحدة الأميركية ماضية في عملية تأنيب أو معاقبة إيران بعد تعثّر آخر المحاولات التفاوضية في سلطنة عمان، وتصاعد التنسيق العسكري والسياسي بين واشنطن وتل أبيب .
في هذا السياق، ثمة أنباء متداولة منها أن واشنطن منعت ١٤ مصرفاً عراقياً من التعامل بالدولار، لأن الأموال، بحسب وول ستريت جورنال، ترسل تلك الدولارات الى إيران بغسيل أموال .
الإجراءات الأميركية ضد البنوك العراقية جاءت بعد الكشف عن معلومات مفادها تورّط تلك المصارف في غسل أموال ومعاملات احتيالية .
هذه الإجراءات الأميركية، إن دلت على شيء، فعلى عدم توصل الطرفين الأميركي والإيراني الى اتفاق بعد، وبالتالي لا تزال عصى العقوبات الأميركية سارية على طهران .
في المقابل، نشطت إيران في محاولة احتجاز ناقلات النفط المارة بمضيق هرمز، وهو أخطر مضيق إن لم يكن من بين أخطر المضائق العالمية، نظراً لواقعه الجغرافي (عرض ٩٠٠٠ كلم ) والعمق ( ٢٢٠ متر ) ومنه يمر بين ٢٠ و٣٠ % من النفط العالمي .
ففي عام ٢٠١٨، سجّل المضيق مرور ٢١ مليون برميل نفط يومياً، وبالتالي لا يناسب واشنطن حصول أي اضطراب في هذا المضيق لأن من شأن ذلك رفع أسعار النفط، الأمر الذي ليس في مصلحة واشنطن لأسباب عدة ليس أقلها قطع الطريق أمام الرئيس الروسي بوتين المستفيد من ارتفاع الأسعار في بيوعات روسيا النفطية للصين والهند ودول أخرى، وفي نفس الوقت لأن واشنطن تريد كسر قرارات منظمة اوبيك خصوصاً وأن الولايات المتحدة على أبواب انتخابات ولا تريد أن تتضاعف آثار حرب أوكرانيا كي لا ترتد سلبياتها على تلك الانتخابات .
إيران قامت مؤخراً وللمرة الثانية باحتجاز ناقلة نفط في أقل من أسبوع في مياه الخليج العربي في تصعيد إيراني متواصل هدفها منه استهداف واشنطن لا دول الخليج، فإيران تريد إيصال رسالة قوية لواشنطن بأنها لا تزال تسيطر على المضيق كورقة ضغط وابتزاز في وجه واشنطن، وأن لطهران القدرة على إغلاق الخليج العربي .
هذا السلوك الإيراني العدائي تعزّز مع احتجاز واشنطن حاوية نفط يونانية كانت تهرّب نفطاً إيرانياً، وإحجام شركات النفط الأميركية عن تفريغ حمولتها خوفاً من اعتداءات إيرانية على منصاتها .
في الخامس من شهر تموز الجاري، قام الحرس الثوري الإيراني باحتجاز ناقلة نفط تحمل ٩٠٠ طن من الوقود المهرّب وطاقماً من ١٢ عنصراً، عندها أعلن البنتاغون إرسال مقاتلات اف ٣٥، كما أعلن إرسال مقاتلات اف ١٦ اس بهدف تأمين غطاء جوي لحركة السفن في مضيق هرمز، على أن تنضم مقاتلات اف ١٦ الى طائرات ايه ١٠ للقيام بدوريات رقابة ورصد توصلاً الى ردع إيران لمنعها من احتجاز السفن والناقلات في منطقة بحر الخليج .
هذا التحرك العسكري الأميركي يعني في ما يعنيه عودة الولايات المتحدة بقوة الى الخليج بعدما كانت قد انسحبت منه .
ألفا جندي مع مدمرات ومقاتلات وطائرات رصد وهجوم كله في هذا التوقيت وعشية انتخابات رئاسية أميركية دلالة واضحة على جدية واشنطن في قمع أي اعتداء أو تحرك إيراني عدائي عبر زيادة الترسانة العسكرية الأميركية .
قائد القوات المركزية الأميركية قال إن عمليات الانتشار الجديدة جهد إضافي لحماية التدفق الحر للتجارة الدولية ودعم القوانين القائمة على النظام الدولي مع ردع النشاطات الإيرانية المسبّبة لعدم الاستقرار في المنطقة .
إيران لا تزال تهدف من كل تحركاتها الى إزالة العقوبات عنها وهي تريد إلهام الأميركيين بأنها قادرة على التحكم بمضيق هرمز .
كما أن طهران تضغط باتجاه العودة للاتفاق النووي، ولذا تمارس ضغوطاً من خلال أفعال عدائية لحمل الأميركيين على الرضوخ لأجندتها والا تحمّل زيادات في أسعار النفط نتيجة التأثر بالأعمال العدائية .
للتذكير، سبق للولايات المتحدة أن اشتبكت مع الإيرانيين عسكرياً في الخليج مرات عدة، وبخاصة في ١٤ نيسان ١٩٨٨ حين حصلت مواجهة شاملة استمرت ٢٤ ساعة بين القوات الأميركية والفرقاطات الإيرانية، وبخاصة تفجير لغم إيراني لفرقاطة، ويومها قضت واشنطن على نصف الأسطول البحري الإيراني في يوم واحد .
إيران حالياً لم تعد تملك نفس السلاح البحري كما في الثمانينيات بل باتت تملك تكنولوجيا عسكرية روسية متطورة، كما تملك صواريخ بحر - بحر قوية ومسيّرات، وبالتالي المواجهة مع الأميركيين لن تكون سهلة عن وقعت،
لذا نرى أن تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران هو السائد حالياً وفعلياً وعرض العضلات متبادل حتى الساعة اذا انطلقنا من أن لا واشنطن تبحث عن مواجهة عسكرية ولا طهران تريد حرباً مع الأميركيين، وكل منهما يريد إفهام الآخر أن منطقة بحر الخليج ليس متروكة منه وأن بإمكان الإثنين السيطرة عليها ضد الآخر، من هنا
لن يكون سهل على أي طرف إشعال الحرب في الخليج وتهديد أمن الملاحة النفطية الدولية، كما أن دول الخليج لن تسمح بأن تتعرض مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية للخطر نتيجة اي منازلة أميركية- إيرانية محتملة في بحرها .