هل يدخل العالم مرحلة المواجهة النووية ؟

_105630693_gettyimages-1052839064

بقلم جورج أبو صعب

غداة القرارات القوية التي تمخّضت عن قمة الناتو الأخيرة في فيلينيوس، وما أعقبها من ردود فعل روسية تعيد التهديد باللجوء الى النووي في ضوء تصريح وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف باعتبار تزويد موسكو لكييف بمقاتلات أف 16 بمثابة تهديد نووي لروسيا، واجتماع مجلس الأمن القومي الروسي برئاسة الرئيس فلاديمير بوتين للبحث في الإجراءات لحماية المنشآت الروسية الحيوية بعد اتهام موسكو الغرب برعاية الإرهاب النووي، وتصريح نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديميتري ميدفيديف بإمكان اندلاع حرب عالمية ثالثة، طُرحت الأسئلة ولا تزال حول إمكانية التصادم النووي بين روسيا والمعسكر الغربي.
الرئيس الأميركي جو بايدن لا يزال يستبعد الى الآن احتمال لجوء نظيره الروسي الى استخدام السلاح النووي، فيما الحرب تستفحل فصولاً في أوكرانيا في ظل انتشار أسلحة تكتيكية في بيلاروسيا.
منذ يومين، حصل هجوم بطائرة مسيّرة على بلدة في كورسك غربي روسيا بما معناه استهداف العمق الروسي، وفي نفس الوقت استهداف منطقة نووية روسية حساسة لوجود مفاعل نووي فيها.
موسكو طبعاً تتهم أوكرانيا باستفزازها من خلال مثل هذه الهجمات، وتتهمها بإرسال المسيّرات ولا ترى بداً من مواجهتها عبر ترسانة دفاعاتها الجوية.
روسيا تعتبر أي تصرّفٍ لكييف ضدها رسالة أميركية موجّهة اليها، إذ تعتبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي دميةً بيد واشنطن.
ظاهرة استهداف أراضي روسيا بمسيّرات، سواء كانت أوكرانية الصنع أم لا، هي بحد ذاتها ظاهرة تستدعي التوقّف عندها قليلاً : البروباغندا الروسية تريد إبراز قوة روسيا النووية والعسكرية على مدار ساعات وأيام وأسابيع وأشهر الحرب في أوكرانيا، وفي الوقت نفسه يأتي هجوم مسيّرات على الكرملين قبل فترة ومن ثم الهجوم الأخير غرب روسيا ودعوة الرئيس بوتين مجلس الأمن القومي للانعقاد للبحث في الإجراءات الواجب اتخاذها لحماية المواقع، فالمنشآت النووية في روسيا وقائع متناقضة تضفي غموضاً على حقيقة ما يحصل في الداخل الروسي. المنطق في حدوده الدنيا يجعلنا نعتقد أمراً من إثنين :
إما أن الهجمات في الداخل الروسي بالمسيّرات تنفذ بعلم وإرادة موسكو لاستثمارها سياسياً وإعلامياً لتبرير قرارات أو استراتيجيات حرب جديدة في أوكرانيا وربما أبعد منها، أو أن الهجمات تكشف ضعف النظام الروسي في ضمان أمن وسلامة الأراضي الروسية من أي هجوم، سواء بمسيّرات أو صواريخ أو حتى تغلغل بري.
حركة المسيّرات التي تدخل المجال الجوي الروسي من دون استئذان في ظل عدم تحرّك ترسانة الدفاع الجوي الروسي بالشكل المطلوب لمواجهتها تطرح، علامات استفهام تذهب الى حد تعزيز نظريات التواطؤ أو ربما التآمر من الداخل الروسي على الكرملين.
ضعف المواجهة الجوية الروسية للمسيّرات يزيد من القلق من استهداف المنشآت النووية في روسيا بهجمات مسيّرة أخرى مقبلة.
بعبارة أوضح، ما هي مصلحة موسكو في إظهار نفسها بحالة قلق على منشآتها النووية وإبراز نفسها على أنها المستهدَفة من هجمات معادية حتى داخل الأراضي الروسية؟
سؤال حمّال أوجه يصعب الجزم في أي من إجاباته، لأن ما يدور في خلد ساكن الكرملين ولاسيما بعد الظاهرة الانقلابية الأخيرة لفاغنر وزعيمها يفغيني بريغوجين جعل الأوضاع في داخل روسيا مربِكة وغامضة أكثر، خصوصاً في ظل الغموض الذي بات يكتنف مصير بريغوجين ومعه مصير فاغنر وامتداداته المؤيدة من داخل المؤسسة العسكرية والمالية للنظام الروسي.
موسكو تتهم الغرب بتشجيع كييف على مهاجمة محطة زاباروجيا لاستفزازها أو إصابة هذه المحطة لتفجير أزمة تلوث، واتهام روسيا بالتسبّب بهذه الكارثة النووية على غرار كارثة تشرنوبل في القرن الماضي.
لكن السؤال البديهي هنا يُطرح حول مصلحة كييف في مثل هذا السيناريو، وهي أولى المتضرّرين مع الشعب الأوكراني منه لو حصل ذلك، والهاجس الأوكراني ماثل في ما حصل في تشرنوبل، وبالتالي وحدها موسكو يتكون المستفيدة من مثل هذا السيناريو الكارثي في أوكرانيا.
واشنطن تعتبر أن روسيا بإثارتها التهديد النووي في كل مرة تكون فيها محرجَة عسكرياً أو سياسياً أو ديبلوماسياً، وباتهامها الغرب ولا سيما الولايات المتحدة بالوقوف وراء تشجيع الأوكرانيين على ضرب المنشآت النووية الروسية، إنما نهج بات مكشوفاً لإثارة المخاوف العربية من مغبّة الوصول الى صدام نووي مباشر مع روسيا.
الواضح الى الآن أن الاتهامات الروسية لأوكرانيا بالوقوف وراء الهجمات بالمسيّرات بقيت من دون إثبات ولا إشارات متوفرة حول أفعال أوكرانية ضد المنشآت النووية الروسية.
من هنا، فإن موسكو على الأرجح تستخدم دائماً عبارة التهديد النووي في بروباغندا إعلامها ومواقفها من أجل الضغط على حلفاء أوكرانيا لوقف دعم وتشجيع أوكرانيا كي تستطيع موسكو تحقيق خرقٍ كبير في حربها في الداخل الأوكراني.
أما اتهام روسيا الغرب بأن تزويد كييف بمقالات اف 16 تهديد نووي لروسيا فكلام مبالغ فيه كثيراً لأن المنطق يقول إنه بإمكان أي شاحنة أو آلية أن تحمل رأساً نووياً أو سلاحاً نووياً، فلماذا يُحصر التهديد النووي بأف 16 فقط من جانب موسكو، فضلاً عن أنه ومن الناحية التقنية العسكرية لا تستطيع اف 16 حمل السلاح لنووي الذي يحتاج لطائرات ضخمة مثل قاذفة B52.
الدعاية الروسية اذاً تُختصر في خلق مساحة من الخوف لدى الرأي العام الغربي للضغط على حكوماتهم ووقف دعم كييف لتصبح أوكرانيا لقمة سائغة لابتلاعها.
انطلاقاً من مجمل هذا التحليل، يمكن الجزم بأن إثارة التهديد النووي أسلوب من أساليب السياسة، كما أن السلاح النووي نفسه سلاح سياسي، ولن يكون بإمكان لا روسيا ولا الغرب وبخاصة الولايات المتحدة، الانزلاق نحو مواجهة نووية محتمَلة تودي بهما والعالم الى زوال،
فلن يحصل صدام نووي مهما تصاعدت حدة التوتر لأن المبتغى أن يبقى النووي سلاح ردع وتوازن متبادل لا سلاحاً تنفيذياً.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: