إقتصاد حافة "الحرب": البقاء أولاً

flag

دخل الإقتصاد اللبناني منذ بدء الحرب وعلى الرغم من هدنة الأيام العشرة، مرحلةً تتجاوز منطق الأزمات التقليدية نحو ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الحرب". ولم تعد المؤشرات الاقتصادية تُقرأ بمعايير النمو أو الإنكماش فحسب، بل باتت ترتبط بشكل مباشر بعوامل أمنية وسياسية متقلبة، تعيد رسم قواعد اللعبة المالية وتفرض أولويات مختلفة على الأفراد والمؤسسات.

في هذا السياق، يتحدث الخبير الإقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، عن واقع اقتصاد الحروب، موضحاً لموقع LebTalks أن دور آليات السوق التقليدية القائمة على العرض والطلب، يتراجع لصالح اعتبارات أكثر إلحاحًا، أبرزها استمرارية الوصول إلى السيولة، وتأمين سلاسل الإمداد، والحفاظ على الحد الأدنى من الثقة بالمنظومة المالية.

وفي خضم الحرب الإقليمية والحرب في لبنان التي لم تتوقف بشكل كلي اليوم، يقول عجاقة إن المخاطر لم تعد نظرية أو بعيدة المدى، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، ما يدفع الفاعلين الإقتصاديين إلى إعادة تقييم سلوكهم بشكل جذري.

بالنسبة للمواطنين، يشهد السلوك المالي تحولًا واضحًا من السعي إلى تعظيم الأرباح نحو التركيز على حماية المدخرات، بحسب ما يشير عجاقة الذي يلفت إلى أن الإستثمار في قطاعات كالعقارات أو الأسهم يفقد جاذبيته في بيئة يغيب فيها الإستقرار، لصالح الاحتفاظ بأصول أكثر سيولة أو أقل عرضة للتقلبات الحادة.

وهنا، تتصدر أسئلة مثل القدرة على الوصول إلى الأموال، واستقرار العملة، واستمرارية الدخل، سلم الأولويات، ما يعكس انتقالًا إلى عقلية دفاعية تحكمها الحاجة إلى الأمان أكثر من الطموح إلى النمو.

وعلى مستوى المخاطر المالية في ظل حديث عن تحولات في سعر الصرف، يوضح عجاقة أن التباين في أسعار الصرف، واستمرار الغموض بشأن إعادة هيكلة القطاع، هي كلها عوامل تدفع الأفراد إلى الإبتعاد عن القنوات المالية التقليدية، فيما في المقابل، تبرز السيولة النقدية كخيار مفضل، رغم ما يحمله من مخاطر، نظرًا لقدرتها على تلبية الإحتياجات الفورية في بيئة غير مستقرة، ما يرتب ضغطاً على العملات الأجنبية.

وحول الأولويات في الإنفاق، يؤكد عجاقة أن الحرب تفرض أولويات مختلفة عن الأيام العادية مالياً واقتصادياً، فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واحتمالات انقطاع بعض السلع والخدمات، تدفع الأسر إلى تقليص استهلاكها إلى الحدود الدنيا، اذ لم يعد الإنفاق خيارًا مرنًا، بل أصبح عملية إدارة دقيقة للموارد، تركز على تأمين الأساسيات مثل الغذاء والطاقة والرعاية الصحية، مع تراجع واضح في الإنفاق على الكماليات.

ولا يمكن فصل ملف النزوح الضاغط على الخزينة العامة عن المشهد الإقتصادي، حيث أن الخيارات الإقتصادية وخصوصاً الإصلاحية والمالية، تضيق أمام الحكومة، بحسب عجاقة، الذي يكشف أنه في ظل استحالة أي نمو إقتصادي خلال الظروف الراهنة مع نزوح أكثر من نصف مليون لبناني، فيما يبرز "اقتصاد البقاء" كخيار واقعي، إن لم يكن وحيدًا، في المرحلة الحالية، وبالتالي، محاولة الحكومة تقليص الخسائر، والحفاظ على الحد الأدنى من الإستقرار، بانتظار اتضاح المسار السياسي والأمني، بمعنى أنه في الوقت الذي تتراجع فيه الطموحات الإقتصادية، يتقدم هدف واحد إلى الواجهة: "البقاء".

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: