كتب جورج أبو صعب:
رفعت إيران، منذ الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها، ملف مضيق هرمز كورقة استراتيجية رئيسية، بعد فقدان أوراق أخرى كالأذرع، والبرنامج الباليستي، وسواها.
حتى قبل الأزمة، كانت لدى إيران أوراق عدة، كالنووي، والبرنامج الباليستي، والميليشيات، وسوريا، والمضيق. لكن كل هذه الأوراق فقدت تباعاً من قيمتها العملية، كورقة الميليشيات والقدرات الصاروخية، نتيجة: انخفاض مخزون الصواريخ المتاحة، وتطور الدفاع الجوي الرادع لدى دول المنطقة.
فالنتيجة أن ورقة مضيق هرمز باتت الوحيدة الفاعلة عملياً، لكنها وحيدة وضعيفة قانونياً وشرعياً.
استخدام إيران لورقة المضيق دفع الأسواق إلى البحث عن بدائل وتقليل الاعتماد الاستراتيجي عليه.
فأسعار النفط وصلت إلى نحو 120 دولاراً للبرميل كحد أقصى، وهو سعر يُعد دون مستوى التأزم، علماً أنه في أزمات سابقة بلغ سعر البرميل ما بين 140 و150 دولاراً.
أما صادرات إيران النفطية، فبالأرقام تشير إلى:
1- تصدير إيران قرابة 50 مليون برميل في الآونة الاخيرة.
2- وحوالى 60 مليون برميل خلال فترة السماح، أي ما مجموعه 110 ملايين برميل.
وثمة تقارير أفادت بتخصيص نحو ثلث الصادرات (حوالي 20 مليوناً منها في مرحلة ما) للحرس الثوري.
وإذا عدنا إلى مذكرة التفاهم، نجد أنها مكوّنة من 14 بنداً، معظمها يُفسَّر لصالح الجانب الإيراني، وبند المضيق يُفسَّر على أنه يمنح إيران حقاً مؤثراً في إدارة المضيق، كمرور السفن من دون رسوم لمدة 60 يوماً، ما أعطى ويعطي انطباعاً بإمكانية فرض رسوم بعد ذلك. فمن مساوئ المذكرة أن بنودها عامة وقابلة لتفسيرات متعددة، وأن المفاوضين لم يأخذوا الجانب الاستراتيجي الأمني كأولوية منذ البداية.
وعندما استخدم النظام الإيراني، أو ما تبقى منه، هذه الورقة، كان أثرها اقتصادياً بارتفاع أسعار النفط إلى 120 دولاراً كحد أقصى، أي إن الأثر الاقتصادي عالمياً لم يكن ذا تأثير كبير في الأسواق، كما توقعت مختلف مراكز التحليل والأبحاث وسائر التقييمات الاقتصادية والمالية للطاقة.
وبالتالي، خسر النظام في إيران تأثير ورقة هرمز، كما خسر سائر أوراق النفوذ المهمة (النووي، الصواريخ، الميليشيات)، نتيجة كثرة استخدام ورقة هرمز لأكثر من مرة، ما أدى إلى لجوء الدول المعنية إلى إيجاد طرق بديلة، بدءاً من دول المنطقة التي أنشأت خطوط تصدير وإمداد من خارج المضيق.
والمعلوم في عالم الاستراتيجيا أن استخدام ورقة الضغط بصورة متكررة يفقدها تأثيرها مع الوقت، لأن الدول والحكومات تحتاط وتجد بدائل، فأهمية الورقة الاستراتيجية تكمن في الضربة الأولى أو الاستخدام الأول.
الولايات المتحدة، من جهتها، لا تزال تُظهر رغبة في تقييد الانخراط العسكري في حرب جديدة. فالرئيس دونالد ترامب، رغم كل الغضب البادي من مواقفه خلال الأيام القليلة الأخيرة، لا يريد حرباً شاملة، وقد رفض حتى الآن مشاركة إسرائيل في الضربات. وثمة تقييم إسرائيلي يشير إلى رفض الرئيس ترامب العودة إلى حرب شاملة، وقد نشر على منصة "تروث سوشال" أن وقف إطلاق النار مع إيران "انتهى".
لكن، في المقابل، ثمة تقارير لموقع "أكسيوس" تتحدث عن محادثات مرتقبة في سويسرا، وأن واشنطن وافقت على مواصلة المحادثات بناءً على طلب إيراني، وهي غير راغبة في مشاركة تل أبيب في الضربات، خوفاً من فقدان السيطرة على الصراع.
وفي الجانب الإيراني، تشهد إيران تنافساً بين أجنحة تسعى للاستفادة من صفقة مع الولايات المتحدة لمستقبل الحكم، على قاعدة أن من يبرم صفقة مع واشنطن يحكم إيران في المرحلة المقبلة، الأمر الذي أضعف التوافق على مراجعة بنود المذكرة، وحتى على الالتزام بها.
وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الفكر الإيراني يعتمد التصعيد في الملفات (هرمز، النووي، الحجاب...) لتحويل كل ملف من قضية فنية إلى قضية سيادية، وصولاً إلى اعتباره يمس بالكرامة الوطنية (ما يُعرف بالفارسية بملفات "ناموسي")، ما يجعل التنازل عنه صعباً سياسياً ومكلفاً على خريطة النفوذ الداخلي، في وقت تشكلت داخل النظام نخب اقتصادية تستفيد من استمرار الأزمة (اقتصاد مرتبط بالحرب والعقوبات)، ما يزيد من صعوبة وعرقلة حلحلة الأزمة داخلياً.
وانطلاقاً من مجمل التحليل أعلاه، تبدو خيارات إيران محدودة جداً، والسيناريوهات محصورة.
فأمام إيران خياران رئيسيان: التوجه إلى التفاوض (سويسرا) أو استئناف العمليات العسكرية.
وثمة، بين هذين الخيارين أو السيناريوهين، أداتان مؤثرتان متاحتان للنظام في إيران: فرض تكاليف على الملاحة والطاقة، أو التفاوض للحصول على تنازلات اقتصادية وسياسية.
وفي الخلاصة، نقول إن الورقة الوحيدة المتبقية فعلياً لإيران هي مضيق هرمز، لكنها بدأت تفقد قيمتها وتأثيرها تدريجياً كلما استُخدمت بكثافة، ما دفع الدول الأخرى والمجتمع الدولي إلى البحث عن بدائل أخرى.