في مقاربة تجمع بين المعلومات والتحليل، يمكن القول إن ما يتم الإعداد له حالياً في المنطقة تمهيداً لتوقيعه لا يعدو كونه مذكرة تفاهم إطارية تُشكّل أساس العمل التفاوضي في المرحلة المقبلة.
فالتركيز الحالي ينصبّ على وقف الحرب وفتح مضيق هرمز، مقابل تغيّر في الإجراءات الأميركية، سواء على مستوى رفع الحصار أو حماية الملاحة، فيما لا يزال الملف النووي خارج إطار الحسم الرسمي، إذ إن الاتفاق حتى الآن يبقى إطارياً، فيما التفاصيل لا تزال قيد التفاوض.
وتجدر الإشارة إلى أن المزاج السياسي في المنطقة يبدو إيجابياً ولكن بحذر شديد، فالتسريبات موجودة، لكن من دون إقرار رسمي كامل بحقيقة ما يُحاك داخل أروقة الوساطة الباكستانية المدعومة صينياً وخليجياً.
وفي الإطار العام للمذكرة، يمكن التأكيد أن ما يتم إعداده يشكّل أساساً للعمل المستقبلي وليس اتفاقاً نهائياً، إذ يُقدَّم الاتفاق الحالي كإطار مبادئ يهدف إلى جمع الأطراف حول طاولة التفاوض لبحث كيفية التنفيذ.
وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن بنوداً مركزية وردت في تلك المذكرة، من بينها وقف العمليات العسكرية وتمديد الهدنة كمرحلة أولى، وفتح مضيق هرمز بشكل طبيعي واحترام القانون الدولي، من دون أي سيطرة إيرانية عليه، مقابل الإشارة إلى رفع الحصار الأميركي كجزء من المقايضة.
أما في ما يتعلق بالشق النووي، غير المعني مباشرة بهذه المذكرة الإطارية في الوقت الراهن، فإن مبدأ إخراج أجزاء من اليورانيوم المخصّب يبدو متفقاً عليه مبدئياً، لكن التفاصيل المرتبطة بالتوقيت، والآلية، والوجهة، وما إذا كان سيتم ذلك دفعة واحدة أو على مراحل، لا تزال غير محسومة.
كما تحدثت المذكرة عن هدنة موقتة لمدة 60 يوماً كآلية عملية مقترحة للتفاوض على الملفات، وفي مقدّمها الملف النووي والتخصيب.
أما بالنسبة إلى مواقف الأطراف ودور الوسطاء، فقد لعبت السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي دور وساطة مؤثراً وضاغطاً، في ظل التواصل مع باكستان وتركيا، إلى جانب إشارات ديبلوماسية صينية داعمة.
ومن جهتها، أبدت الولايات المتحدة، بحسب المعلومات، تمسّكاً بشروطها الأساسية، من دون استعداد للتنازل عن النقاط الجوهرية.
أما إيران، فيبدو أن النظام في طهران يقوم بإعادة قراءة شاملة لمواقفه، وللرسائل الداخلية التي يريد بثّها، مع محاولة إعادة تسويق أي تنازلات داخلية على أنها انتصار سياسي.
وفي المقابل، سيعمل الجانب الأميركي بدوره على تسويق الإطار الحالي باعتباره تحقيقاً لشروطه، فيما يركّز الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني على التمسك بالثوابت وتحويل أي تنازل إلى مكسب سياسي.
وبالتالي، تبقى هناك قضايا عالقة ومخاطر جدّية بانتظار آليات التفاوض في المرحلة المقبلة، وفي مقدّمها الملفات المرتبطة بالنووي، وتفاصيل التنفيذ، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، وأذرع إيران في المنطقة، إضافة إلى ملف العقوبات.
ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية محفوفة بمخاطر تصعيد عسكري، كما حصل سابقاً قبيل حرب الأيام الاثني عشر، ومن ثم الحرب الأخيرة، حيث سبقت تلك الجولات الأجواء الإيجابية نفسها السائدة حالياً، ما يستدعي أعلى درجات الحذر والمتابعة الدقيقة لمسار التطورات، خصوصاً أن التسريبات لم تُترجم بعد إلى إقرار رسمي أو شبه رسمي بحل عقدة الملف النووي.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن القول إن الخطوة الحالية تشكّل محطة إيجابية أولى وممهّدة لمسار ديبلوماسي أطول، فيما يبقى نجاحها مرتبطاً بقدرة الأطراف على تنفيذ البنود التفصيلية، وأخذ مطالب دول الخليج بعين الاعتبار، ولا سيما الضمانات المتعلقة بعدم تكرار الهجمات عليها، علماً أن دولة الإمارات وحدها استقبلت نحو 40% من مجموع الهجمات الصاروخية الإيرانية خلال الجولة الأخيرة من الحرب.
ويبقى أن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة، إما لبلورة اتفاق نهائي، أو لبقاء البنود عائمة ومفتوحة على احتمال عودة أجواء الحرب إلى المنطقة.