تدخل هدنة الأيام العشرة مرحلة التآكل البطيء، وسط غياب أي خرق فعلي على خطي التفاوض: اللبناني، والإيراني – الأميركي الذي ينعكس مباشرة على المنطقة ولبنان. الوقت يمرّ، لكن الحلول لا تتحرك بالسرعة نفسها، ما يجعل الهدنة أقرب إلى مهلة موقتة لا إلى مسار ثابت.
في الجنوب، لا يزال المشهد مضبوطاً على توتر منخفض الوتيرة، لكنه مفتوح على أي تصعيد. المطالب الدولية بتوسيع دور الجيش اللبناني جنوباً، وتشديد الرقابة تحت سقف القرار 1701 تصطدم بواقع ميداني معقد، حيث تختلط الحسابات الأمنية بالنفوذ السياسي وبالسلاح الخارج عن سلطة الدولة.
ومع عودة عدد من الأهالي إلى الجنوب، برزت محاولة لتسويق ما حصل على أنه "انتصار" تحقق بفضل إيران لا بفضل لبنان. إلا أن الوقائع السياسية تقول غير ذلك. فالهدنة الموقتة لم تولد من شعارات المحاور، بل من تحرك الدولة اللبنانية، ومن الخطوة المتقدمة من عون وسلام بفتح باب المحادثات، والتي حظيت بغطاء حكومي كامل، بما فيه تأييد وزير المال المحسوب على "أمل" ياسين جابر. هذا المسار الرسمي هو الذي فتح الباب أمام وقف إطلاق النار، وأعاد لبنان إلى موقع التفاوض عبر مؤسساته لا عبر ساحات الآخرين.
في المقابل، تعود واشنطن إلى طرح تثبيت مسار تفاوضي غير مباشر بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لمنع انفجار الجبهة الجنوبية. إلا أن هذا المسار يواجه ضغوطاً داخلية واعتراضات من قوى ترفض فكرة التفاوض، ما يضع الدولة اللبنانية أمام امتحان جديد: هل تُدار الملفات الكبرى عبر المؤسسات، أم تبقى رهينة موازين القوة خارجها؟
وفي موازاة ذلك، يبرز حديث متزايد عن احتمال زيارة جوزاف عون إلى واشنطن خلال المرحلة المقبلة، في خطوة تحمل بعداً سياسياً وديبلوماسياً مهماً، إذا اقترنت بدفع فعلي لملفات الدعم الأمني والاقتصادي والسيادي.
وفي الداخل، لا يقتصر الضغط على السياسة والأمن، بل يتمدّد إلى الشارع. فالكتابات التي غزت جدران طريق المطار والمليئة بالتخوين والتحريض ضد الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، تكشف بوضوح عقلية الترهيب والوصاية ورفض منطق الدولة التي يمارسها جمهور حزب الله المرتبط بالمشروع الإيراني. حين يتحول الجدار إلى منصة تهديد، يصبح واضحاً حجم المأزق الذي تواجهه الدولة في فرض هيبتها على كامل أراضيها.
أما الجيش اللبناني، فيقف أمام استحقاقات حساسة: منع أي انهيار أمني، وحماية الاستقرار، والعمل داخل بيئة سياسية منقسمة وضغوط خارجية متزايدة.
وإقليمياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً بعد رفض ايران الجولة الثانية من المفاوضات مع الولايات المتحدة احتجاجاً على الحصار البحري التي فرضته الولايات المتحدة. هذا الرفض لا يجمّد فقط المسار، بل يرفع منسوب القلق في كل الساحات المرتبطة به، وفي مقدّمها لبنان.
وبين فرصة الدولة ومحاولات تخريبها، يقف لبنان أمام اختبار جديد: إما أن ينتصر منطق المؤسسات، أو يعود البلد رهينة السلاح والشعارات.