في لحظات الانهيار الكبير، لا تعود الدول تملك ترف اختيار الملفات المريحة. تُدفَع دفعاً نحو القرارات الصعبة، ولو كانت صادمة لشعوبها، أو مكلفة لطبقات سياسية اعتادت الهروب إلى الأمام. ولبنان اليوم يقف في هذا المكان تحديداً: بين نار الجنوب، ارتباك الداخل، وواقع إقليمي يتغيّر بسرعة لا ترحم المتأخرين.
أولى الحقائق التي يجب قولها بوضوح، أن أي محادثات لبنانية إسرائيلية تُدار عبر الدولة اللبنانية، ليست جريمة، ولا خيانة، ولا خرقاً تلقائياً لما يُعرف بقانون مقاطعة إسرائيل. هذا القانون وُضع أساساً لتنظيم العلاقات الاقتصادية والتجارية ومنع التعامل المباشر مع العدو في إطار الأفراد والشركات والمؤسسات الخاصة، لا لمنع الدولة من إدارة نزاع حدودي أو أمني أو عسكري عبر قنوات تفاوضية رسمية عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
والتاريخ اللبناني نفسه يشهد على هذا الأمر. من اتفاق الهدنة عام 1949 إلى مفاوضات الناقورة، إلى ترسيم الحدود البحرية الذي جرى بوساطة أميركية، لم يكن لبنان خارج منطق التفاوض غير المباشر أو التقني أو الأمني عندما تفرض الحاجة حماية السيادة أو استعادة الحقوق أو منع الحرب. فالدول لا تُدار بالشعارات، بل بالمصالح، والسيادة لا تُحمى بالصراخ بل بالأدوات الفعلية.
من هنا، يصبح تخوين السلطة إذا فاوضت، أو اعتبار أي مسار تفاوضي استسلاماً، خطاباً يفتقد إلى المنطق القانوني والسياسي. إذا كانت الدولة تفاوض لتحرير أرض، أو تثبيت حدود، أو وقف اعتداءات، أو حماية المدنيين، فهي تمارس دورها الطبيعي الذي سُلب منها طويلاً. أما البديل، فهو ترك الساحة للسلاح المنفلت، والرسائل العسكرية المفتوحة، والقرارات التي تُتخذ خارج المؤسسات.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الجنوب يعيش اليوم مفارقة خطيرة، وقف إطلاق نار موجود على الورق، ومتآكل على الأرض. إسرائيل تصعّد، تستهدف، تضرب، وتوسّع هامش عملياتها. والحزب يرد. وبين هذا وذاك، يصبح السؤال مشروعاً، هل لا نزال فعلاً داخل وقف إطلاق النار، أم أننا دخلنا مرحلة جديدة عنوانها "حرب منخفضة الوتيرة"؟
عندما يستمر القصف، وتسقط الضحايا، وتبقى الحدود ملتهبة، ويتحوّل الاتفاق إلى مجرد عنوان ديبلوماسي، فهذا يعني أن الهدنة فقدت جوهرها. نحن أمام وضع أخطر من الحرب وأخطر من السلام، لا استقرار كامل، ولا مواجهة محسومة، بل استنزاف مفتوح. هذا النوع من النزاعات هو الأكثر فتكاً، لأنه يقتل ببطء، ويستنزف بلا ضجيج.
والمعضلة الأعمق أن لبنان الرسمي يدفع ثمن حرب لا يملك قرارها بالكامل، ويدفع أيضاً ثمن سلام لا يستطيع فرضه بالكامل. أي أنه عالق بين سلطتين، سلطة دولة ناقصة، وسلطة أمر واقع مكتملة الأدوات. وفي هذا الفراغ، تضيع القرارات الكبرى وتُستهلك الأعمار الصغيرة.
وفي الداخل، يكفي النظر إلى ملف العام الدراسي والامتحانات الرسمية لفهم حجم التفكك. آلاف العائلات تسأل، هل تُجرى الامتحانات؟ متى؟ بأي ظروف؟ هل المناهج اكتملت؟ هل المناطق الآمنة متساوية مع المناطق المتضررة؟ هل المدارس الرسمية جاهزة؟ أسئلة بديهية في أي دولة طبيعية، لكنها في لبنان تتحول إلى ترف.
الطلاب يعيشون على أعصابهم، الأهالي في قلق، والأساتذة بين الضياع والضغط والحقوق الضائعة، فيما السلطة تتعامل مع الملف كأنه تفصيل إداري لا قضية وطنية. في الدول الجدية، التعليم أمن قومي. أما هنا، فيُترك رهينة الحرب والارتجال والمزايدات. بلد لا يستطيع أن يطمئن تلاميذه إلى مصير امتحاناتهم، كيف سيطمئن شعبه إلى مصير حدوده؟
أما إقليمياً، فالمفاوضات الإيرانية الأميركية تبقى النموذج الأوضح لعالم معلّق. جولة تُعلن، ثم تتأجل. إشارات إيجابية، ثم تهديدات. رسائل عبر الوسطاء، ثم تصعيد ميداني. الجميع يتفاوض والجميع يستعد للحرب في الوقت نفسه. وهذا بحد ذاته يعكس أن المنطقة لم تصل بعد إلى قرار نهائي، التسوية لم تنضج، والمواجهة لم تُحسم.
ولبنان، كعادته، يدفع ثمن الانتظار. فإذا تقدمت التسوية، يُطلب منه التكيّف سريعاً. وإذا انهارت، يكون أول ساحات النار. لذلك، لم يعد مقبولاً أن يبقى مجرد ورقة على طاولة الآخرين. المطلوب سلطة تعرف ماذا تريد، ودولة تستعيد حقها الحصري في القرار، وخطاباً سيادياً لا يختبئ خلف الشعبوية.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأوهام، لا وهم أن الحرب انتصار دائم، ولا وهم أن الصمت سياسة، ولا وهم أن التفاوض خيانة. يحتاج فقط إلى حقيقة واحدة، أن الدول تُبنى حين تستعيد قرارها، وتسقط حين تتركه لغيرها.