في السادس والعشرين من نيسان 2005، انطفأت آخر ظلال الوجود العسكري السوري في لبنان مع انسحاب كامل أنهى مرحلة قاربت ثلاثة عقود، جذورها تعود إلى عام 1976 في ذروة الحرب الأهلية، حين دخلت القوات السورية تحت عناوين إقليمية سعت إلى تطويق الانفجار اللبناني وضبط إيقاع التوازنات بين القوى المتصارعة. ومع تعاقب السنوات، تمدد هذا الحضور خارج إطاره العسكري، متسللاً إلى عمق البنية السياسية والأمنية حتى بات لاعباً وازناً في رسم المشهد الداخلي ومؤثراً بشكل مباشر في صناعة القرار.
ضمن هذا السياق، يقرأ النائب بلال الحشيمي، في حديثه إلى LebTalks، مسار تلك المرحلة وما تلاها، معتبراً أن الوصاية المباشرة انتهت عملياً مع سقوط النظام الذي كان يقودها، ومع استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وهو الحدث الذي ترك أثراً مفصلياً وأسهم بطريقة أو بأخرى، في دفع مسار تحرير لبنان من القبضة السورية السابقة.
ويشير إلى أن تلك الوصاية رغم انتهائها شكلياً، استمرت لفترة عبر قنوات غير مباشرة، بفعل الحضور الإيراني في سوريا والتداخل الاستخباراتي في لبنان سواء من الجانب السوري أو الإيراني.
عام 2005 حمل نهاية واضحة لمرحلة التحكم المباشر، ولا سيما في مسارات تعيين الرؤساء وتشكيل الحكومات، رغم أن بعض القوى السياسية، وفي مقدمها حزب الله وحلفاؤه كانوا يفضلون بقاء الدور السوري، وسعوا في موازاة ذلك إلى توسيع مساحة النفوذ الإيراني.
يضيف أن عملية تشكيل الحكومات بقيت معقدة وتستغرق أشهراً طويلة، غير أن التحوّل الأبرز تمثل في بروز خطاب سيادي صري بدأ مع لقاء البريستول فاتحاً المجال أمام مساحة وطنية أوسع للتعبير السياسي والإعلامي.
ويؤكد الحشيمي أن أحداً لم يعد يقرر نيابة عن اللبنانيين كما في السابق، مع وجود هامش واضح من الحرية، إلا أن الإشكالية السيادية لم تُحسم بعد، على الرغم من التغيرات الكبيرة التي طرأت على المشهد العام.
وعن المرحلة الراهنة، يرى الحشيمي أن تعقيداتها تتفاقم في ظل الضغوط الدولية، ولا سيما من الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب الضغط الإسرائيلي، مشيراً إلى أن حسم مسألة سلاح حزب الله يبقى المدخل الأساسي لأي تغيير فعلي.
وفي تقديره فإن غياب هذا الحسم سيُبقي البلاد في دائرة التجاذب، حيث يبرز منطق الأخذ والرد على حساب القرار الداخلي.
ويختم بالتشديد على أن لبنان، رغم خروجه من الوصاية السورية، لم يتحرر بالكامل بعد، إذ لا تزال هناك وصاية أخرى أكثر وطأة بحسب توصيفه، في ظل قدرة القوى المرتبطة بإيران على تعطيل عمل الدولة متى تشاء، إلى جانب تفشي الفساد الذي يُقيد إمكان فرض القانون وبناء قضاء عادل مع ملاحظات خاصة على أداء المحكمة العسكرية بعد عام 2005، والتي يعتبر أنها تتعامل في بعض الملفات باستنسابية.