الدولة تُستنزف.. و"الحزب" يصادر قرارها ويهدّد حكومتها

Untitled12111

كتب عبد الفتاح خطاب:

لا تزال "الدويلة" ماضية في نهجها القائم على مصادرة قرار الدولة اللبنانية وتهميش مؤسساتها، رغم كونها شريكاً رسمياً في السلطة. هذه المفارقة ليست تفصيلاً عابراً، بل جوهر الأزمة البنيوية التي تعيشها الدولة: طرفٌ يشارك في الحكم، لكنه يرفض الخضوع لمنطقه. ويتجاوز قراراتها علناً محاولاً فرض إرادته عليها، محولاً مفهوم "الشراكة" إلى "تبعية" قسرية.

فـ"حزب الله" ممثَّل في المجلس النيابي وفي مجلس الوزراء، غير أنّ مشاركته لم تتحوّل يوماً إلى التزام فعلي بقرارات الدولة. على العكس، يتعامل الحزب مع هذه القرارات بانتقائية واضحة: يلتزم بما يخدم مشروعه، ويتجاوز ما يتعارض معه، بل ويسعى أحياناً إلى فرض إرادته بالقوة السياسية، وربما أكثر، عبر استخدام سلاحه في الداخل كما حدث في 7 أيار 2008.

ضمن هذا السياق، لا تبدو الدولة اللبنانية في نظر الحزب ككيان سيادي جامع، بل كأداة وظيفية تُستخدم عند الحاجة. هي، ببساطة، "بقرة حلوب" تُستنزف مواردها لخدمة مشروعه، بينما تمنع عنها روافد البقاء:

- استنزاف الموارد: تدفع الدولة كلفة الحروب عبر التعويضات وإعادة الإعمار، وتفتح أبواب التوظيف في الإدارات العامة والمؤسسات العسكرية والأمنية لتكريس نفوذه.  توزّع المساعدات على بيئته الحاضنة بما يعزّز نفوذه الاجتماعي والسياسي.

- الاقتصاد الموازي: في الوقت الذي تُعصر فيه جيبة المواطن الملتزم بالقانون، ينمو اقتصاد موازي من تهرب جمركي وضريبي عبر مرافق غير خاضعة للرقابة الكاملة، مما يحرم الخزينة من إيراداتها السيادية ويحول الدولة إلى هيكل مالي منخور.

- تجيير الجغرافيا: تحويل لبنان من لاعب دولي له مصالحه الوطنية إلى "ساحة بريد" ومنصة انطلاق لخدمة أجندات إقليمية تتجاوز الحدود، مما أفقد لبنان حصانته الدبلوماسية.

لقد ترجم الحزب هذا الاستعلاء بمواقف موثقة؛ ففي 25 أيلول 2025، وخلال فعالية إضاءة صخرة الروشة، وجّه وفيق صفا، رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب، رسالة تتجاوز حدود "المزاح السياسي"، بعبارته الشهيرة لمرافقه: "يا علي… سيكي لحلح". لم تكن مجرّد نكتة، بل صياغة شعبية لمعادلة صلبة: لا تسليم للسلاح، ولا اعتراف بسيادة تمسّ به.

ولم يتوقف الأمر عند الرمزية، بل وصل إلى التهديد المباشر؛ ففي 17 آذار 2026، لوّح محمود قماطي بإسقاط الحكومة بعد الحرب، في إشارة واضحة إلى أن بقاء المؤسسات الدستورية مرتبط بـ"الرضا المسبق" للحزب، لا بثقة البرلمان ولا بإرادة الشعب، مما يضرب "العقد الاجتماعي" في مقتل، حيث يشعر فريق من اللبنانيين أنه ملزم بالقانون بينما يتمتع الآخر بـ"فيتو" المسدس فوق الطاولة.

برز ذروة هذا التحدي في رفض الحزب قرار الحكومة اللبنانية اعتبار السفير الإيراني غير مرغوب فيه. هذا الموقف لم يكن مجرد اختلاف سياسي، بل كان إعلاناً صريحاً بأن العلاقات الإقليمية للحزب تتقدم على القرارات السيادية للسلطة التنفيذية التي يشارك فيها. هنا، يتحول السلاح من أداة "مقاومة" (كما يُروج) إلى أداة لفرض سياسة خارجية موازية، تضع لبنان في مواجهة مع المجتمعين العربي والدولي.

لبنان اليوم لا يعيش أزمة سياسية عادية، بل حالة "ازدواج سلطة" مزمنة وقاتلة: دولة قائمة شكلياً لتوقيع المعاملات وتحمل الأعباء المالية، وقرار فعلي خارج مؤسساتها يدير الحرب والسلم والسياسة الخارجية.

هذا الاستخدام الأداتي يعيد تعريف الدولة: من كيان يحتكر السلاح الشرعي، إلى صندوق بريد لوجستي يُسخَّر لدعم بنية موازية تتفوّق عليه فعلياً. وفي ظل هذا التحلل، لا يعود السؤال: من يحكم لبنان؟ بل: كيف يمكن لدولة أن تقوم أصلاً، فيما "فائض القوة" ينهش أساساتها، وسيادتها مُجزّأة، ومؤسساتها رهينة ميزان قوى لا يعترف بالدستور إلا حين يخدم مصالحه؟

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: