بتحييد الصين وجعلها أكبر شريك ملتزم مع الولايات المتحدة، وفي ظل تكرار الزعيم شي جين بينغ لشعار الرئيس الأميركي دونالد ترامب "إعادة أميركا عظيمة من جديد"، يمكن اختصار الأبعاد التي حققتها القمة الأميركية – الصينية.
فلا بكين ولا واشنطن تبدوان مستعدتين للتخلي عن إرث الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته آنذاك هنري كيسنجر، اللذين هندسا لأكبر تحوّل جيوسياسي مع الصين في سبعينات القرن الماضي، وأرسيا أسس الانفتاح والشراكة الكبرى مع بكين. وفي المقابل، لا تبدو الصين مستعدة للعب دور أوسع على الساحة الدولية والإقليمية، باستثناء ما يتصل بالدفاع عن مصالحها في بحر الصين وملف جزيرة تايوان.
وفي خلاصة أولية، يمكن القول إن الرئيس دونالد ترامب حصل من الزعيم شي جين بينغ على:
1- منع إيران من امتلاك السلاح النووي، بما يمكن تفسيره على أنه إطلاق يد واشنطن، سواء عبر المفاوضات أو عبر القوة، لضرب البرنامج النووي الإيراني، ووقف التخصيب، ونقل الكميات المخصبة إلى خارج إيران، أو إبقائها داخلها تحت رقابة أميركية – دولية تنفذها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
2- سحب عسكرة مضيق هرمز وفتحه أمام الجميع، بما يتناقض مع الموقف الإيراني الذي يعتبر هرمز ورقة سيادية خاصة بطهران.
3- فتح الأسواق الصينية أمام الشركات والاستثمارات الأميركية.
4- تعزيز التعاون في مجالات التجارة الدولية والزراعة وتجارة النفط.
5- حل الخلافات عبر الحوار الثنائي والتواصل المستمر بين القيادتين.
6- اعتماد نهج الشراكة بدل نهج الصراع والعداء.
في المقابل، حقق الزعيم شي جين بينغ هدفين أساسيين:
1- تثبيت أن تايوان وبحر الصين يشكلان "خطاً أحمر"، مع تسليم واشنطن بذلك، مقابل عدم تخليها عن مصالحها الخاصة مع الجزيرة ضمن معادلات وضوابط يجري النقاش حولها لاحقاً.
2- تجنب أي إجراءات مالية أو ضريبية جديدة من قبل إدارة ترامب تؤدي إلى زيادة الضغط على التجارة والتبادل الاقتصادي مع الصين.
فعلى قمة هرم القوة العالمية، يعيد القطبان رسم قواعد النظام الدولي بهدوء ديبلوماسي إيجابي، لكن عبر "قفزات حريرية": تفوق عسكري أميركي هائل، في مقابل صعود صيني سريع في التجارة والتكنولوجيا.
وفي موازين القوة الاستراتيجية العالمية، تتوزع معادلات القوة بين الطرفين بصورة محتدمة: فالولايات المتحدة تنفق على برامجها العسكرية نحو 954 مليار دولار سنوياً، مقابل ما يقارب 336 مليار دولار تنفقها الصين.
وفي المقابل، تنتج الصين نحو 70% من إجمالي براءات الذكاء الاصطناعي عالمياً، وتتفوّق في مجالات إنترنت الأشياء وتكنولوجيا الجيل الخامس، فيما تصل استثماراتها في أشباه الموصلات إلى نحو 150 مليار دولار.
أما واشنطن، فلا تزال متقدمة في مجال الاستثمار بالذكاء الاصطناعي، حيث تبلغ ميزانياتها السنوية نحو 109 مليارات دولار، مقابل 9.5 مليارات دولار فقط للصين.
وفي "حرب الرقائق"، لا تزال الولايات المتحدة تستحوذ على نحو 60% من الملكية الفكرية العالمية.
مع ذلك، تبقى الصين بحاجة إلى الولايات المتحدة أكثر، نظراً لاعتمادها على فول الصويا الأميركي، باعتبار الولايات المتحدة من أكبر منتجيه، إضافة إلى حاجة الصين للرقائق الإلكترونية التي تكاد واشنطن تحتكر سوقها العالمي. ومن هنا، تبرز أهمية تايوان بالنسبة إلى الطرفين، باعتبار الجزيرة أكبر منتج للرقائق الإلكترونية التي تحتاجها الصين شراءً، فيما تحتاجها الولايات المتحدة بيعاً وتصديراً.
ولا يمكن إغفال أن الصين تشتري سندات دين أميركية بقيمة تقارب 150 مليار دولار، ما يجعلها من أوائل المتضررين في حال انهيار الاقتصاد الأميركي.
والمفارقة أن الولايات المتحدة تبقى أكبر مستورد للبضائع الصينية، من الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والبطاريات الكهربائية ولعب الأطفال، فضلاً عن المغناطيسات الأرضية النادرة. وقد بلغ حجم الصادرات الصينية إلى العالم نحو 3.95 تريليونات دولار سنوياً، مقابل نحو 1.9 تريليون دولار للصادرات الأميركية.
إنه تشابك هائل في الحاجات، يرتب تشابكاً مماثلاً في المصالح. ومن هنا، يبقى السؤال: هل تتجاوز واشنطن وبكين لعبة صراع المصالح باتجاه شراكة وتعاون دوليين أكثر إيجابية؟
الأكيد أن مستقبل العلاقات بين العملاقين لن يخلو من الصراعات، لكن الأكيد أيضاً أن أي صراع بينهما لن يكون بعد اليوم على من هو الأقوى، بل على من يملك القدرة على تحديد مستقبل البشرية في ظل منافسة جيوسياسية سلمية.