المنطقة ولبنان تحت التحكيم الأميركي في صراعات المحاور الكبرى

america

عندما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ أيام، أن الأمن القومي التركي يشمل حمص ودمشق وبيروت، طُرحت في الأوساط السياسية والإعلامية جملة من التساؤلات حول المغزى.

والسؤال الأهم: ما الذي يمكن أن يكون عليه الموقف الإسرائيلي إزاء توسع النفوذ التركي مستقبلاً؟ وهل ستسمح إسرائيل بالتمدد التركي؟ وما موقف الولايات المتحدة؟

الواضح أن لواشنطن الدور الأبرز في التحكم بإيقاع المشروعين التركي والإسرائيلي، وهي التي تستطيع وحدها رسم الخطوط الحمر وضبط أي تصادم بين المشروعين.

وللتذكير، فعلى سبيل المثال، عندما طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في شهر نيسان 2025، وقف استهداف مناطق النفوذ التركي في سوريا، توقفت الاعتداءات الإسرائيلية في الداخل السوري توقفاً تاماً، وكان الرئيس ترامب يومها يعدّ عدته لبدء التفاوض مع الإيرانيين.

ويُذكر أن للرئيس ترامب نهجاً في السياسة يقوم على التعامل بمنطق الثنائيات، فهو يفضل التعاطي الثنائي والمباشر: مع إسرائيل على حدة، ومع إيران على حدة، ومع الدول العربية على حدة.

إذاً، المفتاح في يد الولايات المتحدة، وحدود التعاطي بين الأتراك والإسرائيليين تُحدَّد من قبلها، لا سيما أن كلاً من إسرائيل وتركيا بحاجة إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في المجالات العسكرية والمالية.

فعلى سبيل المثال، تحتاج تركيا في صناعة طائراتها إلى التكنولوجيا الأميركية ومصادر التمويل، كما هو الحال بالنسبة إلى التمويل البالغ 165 مليار دولار لأغراض الدفاع ضمن حلف الناتو، حيث تقود الولايات المتحدة خيارات الحلف لناحية من يدفع وماذا يُقدّم، فيما تُعد تركيا عضو الحلف الوحيد في منطقة آسيا.

وبالتالي، فإن دور الولايات المتحدة في ضبط الإيقاع بين إسرائيل وتركيا يشكل الضمان الأساسي لعدم تصادم البلدين، فضلاً عن العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والدبلوماسية بينهما، ما يعني أن أي تمدد تركي أو حدود للعلاقات بين الطرفين تتم "دوزنتها" أميركياً.

وفي قمة الناتو الأخيرة، حرص الحلف على إبقاء تركيا ضمن منظومته، وأقر بالدور التركي المميز داخله، وما تضمين بند "مكافحة الإرهاب" في البيان الختامي إلا تعبير عن مقاربة ما تعتبره أنقرة إرهاباً كردياً، وتحديداً حزب العمال الكردستاني (PKK). كما ذُكرت قوات سوريا الديمقراطية (SDF) بوصفها التسمية المستخدمة في سوريا بالنسبة إلى الأتراك، ما منح أنقرة مبرراً إضافياً للتحرك ضد القوات الكردية، وفق رؤيتها.

وللعلم، فإن الجيش التركي لم ينسحب من حلب، رغم المطالب بذلك، تثبيتاً للنفوذ التركي على قسم مهم من سوريا، ودعماً للرئيس أحمد الشرع ضمن المنطقة المسموح للأتراك بالتواجد فيها. في المقابل، يُمنع عليهم، أميركياً وإسرائيلياً، التقدم نحو دمشق وحماة وحمص، التي تشكل مناطق عازلة في مواجهة النفوذ الإسرائيلي في جنوب سوريا. وقد شكّل هذا الرفض التركي للانسحاب مشكلة، وعرقل مطالب أميركية وعربية.

إذاً، تشهد المنطقة نشوء محاور جديدة: فهناك المحور الإسرائيلي، والمحور التركي - السعودي - الباكستاني - المصري (تحالف ناتو سني)، إضافة إلى المحور الإيراني القائم، لكنه المتداعي، علماً أن للمكوّن السني في لبنان تعاطفاً معنوياً مع هذا المحور الإقليمي.

أما تداعيات عودة الدور التركي المؤثر في المنطقة، فقد انعكست أيضاً على لبنان، وليس حديثاً، بل منذ فترة طويلة. ويكفي التذكير بالزيارات اللبنانية إلى تركيا في عهد الرئيس سعد الحريري والرئيس نجيب ميقاتي، والتي شكّلت تمهيداً لنسج علاقات أفضل بين البلدين. واليوم، فُتحت صفحة جديدة في هذه العلاقات، وباكورتها دعوة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى معرض الأسلحة، إلى جانب المواقف التركية التي شددت على أهمية لبنان في شبكة العلاقات التركية.

حتى إن الموقف الأوروبي من تركيا شهد تحولاً، إذ إن الأوروبيين، ولا سيما إيطاليا وفرنسا، كانوا سابقاً يمانعون تزويد أنقرة بأنظمة دفاع جوي شبيهة بمنظومة "باتريوت"، إلا أنهما هذه المرة أبديا استعدادهما لذلك، فيما طلب الأتراك نقل التكنولوجيا بدلاً من تسليمهم الصواريخ والمنظومات، لأنهم يريدون تصنيعها محلياً.

أما من جهة لبنان، فنرى أن مصلحته تكمن في ألا يكون ملحقاً بأي محور، وفي الوقت نفسه أن يبقى منفتحاً على جميع المحاور بما يؤمّن مصالحه الحيوية ويتيح له التعايش معها.

وبناءً على هذه المشهدية الجيوسياسية الإقليمية، يجب التركيز على مدى السماح لإسرائيل بالتمدد التركي عملياً، وكيفية موازنة الولايات المتحدة بين حماية المصالح الإسرائيلية وتقييد الدور التركي.

فهل كُتب على منطقتنا، وعلى لبنان، التخلص من نفوذ دولة إقليمية عبر الالتحاق بنفوذ دولة أخرى من الدول الفاعلة؟ أم أننا أمام إعادة توزيع للأدوار وخلط للأوراق على أنقاض النظام الإقليمي الإيراني المتهاوي؟

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: