هناك تحول يجري خلف الأبواب السياسية، وما كان يُنظر إليه لعقود على أنه عقدة ثقيلة في الاقتصاد اللبناني، بدأ يدخل مرحلة مختلفة تفرض قراءة جديدة للمشهد، فالعلاقة مع سوريا لم تعد تُقارب من زاوية الأعباء وحدها، وإنما من زاوية الفرص التي قد تُعيد رسم جزء من الخريطة الاقتصادية في المنطقة، كَوْن المرحلة التي تتشكل في دمشق تفتح أبواباً واسعة أمام مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار والطاقة والنقل، فيما يقف لبنان أمام اختبار حقيقي، هل يكتفي بالمراقبة، أم يحجز لنفسه موقعاً داخل هذه الورشة منذ بدايتها.
وفي هذا الإطار يؤكد الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة في حديث لموقع "LebTalks" أن الصورة لا تزال في بداياتها، وأن الكثير من الملفات لم يصل بعد إلى خواتيمه، إلا أن المؤشرات تحمل فرصاً لا يجوز التفريط بها، خصوصاً بعدما فتحت سوريا قنوات تعاون مع دول عدة، بينها قطر وتركيا وعدد من الدول العربية، الأمر الذي يضع لبنان أمام فرصة للدخول في مشاريع مشتركة ترتبط بقطاع الطاقة والبنية التحتية والخدمات.
ويشير عجاقة إلى أن ملف النفط يحتل موقعاً متقدماً في هذه المرحلة، إذ إن أي إعادة تشغيل لخطوط الأنابيب التي تمر عبر الأراضي السورية وصولاً إلى لبنان، أو أي دور يمكن أن تؤديه المرافئ اللبنانية في عمليات النقل والتخزين والخدمات اللوجستية، سيمنح الخزينة اللبنانية إيرادات مباشرة، كما أن التطورات التي شهدها مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة أعادت الاهتمام بالبحث عن مسارات أكثر استقراراً لنقل الطاقة، ما يمنح مشاريع الأنابيب أهمية إضافية في الحسابات الإقليمية، إذا توافرت الظروف السياسية والتنفيذية اللازمة.
ويضيف أن العلاقة الاقتصادية لا يجب أن تُبنى على المصالح الآنية فقط، فلبنان تحمّل منذ عام 2011 أعباء النزوح السوري بكل ما رافقه من كلفة مالية واجتماعية وخدماتية، لذلك من الطبيعي أن ينال أولوية في المشاريع المقبلة سواء عبر إشراك الشركات اللبنانية، أو منح اليد العاملة اللبنانية مساحة واسعة داخل مشاريع إعادة الإعمار، بما يخفف البطالة ويعيد تنشيط قطاعات الإنتاج والخدمات والهندسة والمقاولات.
ولا يخفي عجاقة أن قدرة لبنان على الاستفادة من هذه الفرصة ستكون مرتبطة بسرعة الدولة في إعادة صياغة علاقتها الاقتصادية مع دمشق، بعيداً من الحسابات التقليدية لأن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة عنوانها المصالح الاقتصادية فيما الدول التي تتأخر في اتخاذ القرار ستجد نفسها خارج المنافسة.
وتنسجم هذه القراءة مع الحركة الرسمية التي شهدتها الأيام الماضية، بعدما اتجه البلدان إلى إطلاق مسار جديد لإعادة مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية القديمة، مع بحث أكثر من أربعين اتفاقية تشمل التجارة والنقل والاستثمار والتعاون الاقتصادي، إلى جانب تفعيل مجلس الأعمال اللبناني السوري، والعمل على إزالة العقبات أمام الشركات والمستثمرين في خطوة توحي بأن العلاقة الاقتصادية تتجه إلى قواعد جديدة تختلف عن السنوات الماضية.
وتتجاوز أهمية هذه الملفات الجانب التجاري، إذ إن إعادة إعمار سوريا تحتاج إلى مرافئ، وشركات هندسية، ومكاتب استشارية، ومصارف، وشبكات نقل، وخدمات لوجستية، وهي قطاعات يمتلك لبنان خبرة طويلة فيها، الأمر الذي قد يحوّل الاقتصاد اللبناني إلى شريك مباشر في ورشة تمتد سنوات إذا استطاعت الدولة تأمين البيئة القانونية والإدارية التي تمنح المستثمرين الثقة وتسمح للشركات اللبنانية بالمنافسة.
وفي موازاة ذلك، تتقدم مشاريع الربط في مجالات الطاقة والنفط والكهرباء والنقل ضمن النقاشات الرسمية بين بيروت ودمشق، وسط حديث عن تطوير شبكات الأنابيب وخطوط النقل البرية والبحرية، وإحياء مشاريع التعاون في الخدمات والقطاع المصرفي، بما يفتح الباب أمام مرحلة اقتصادية جديدة إذا استكملت الخطوات التنفيذية على الأرض.
ويختم عجاقة بالتعبير عن أمله في أن يشهد التعاون بين الرئيس اللبناني جوزاف عون والرئيس السوري أحمد الشرع ترجمة عملية لهذه الرؤية، لأن نجاح العلاقة الاقتصادية لن ينعكس على التجارة وحدها، وإنما قد يخلق دورة مالية جديدة ويستقطب استثمارات، ويؤمن فرص عمل، ويمنح الاقتصاد اللبناني متنفساً يحتاج إليه منذ سنوات طويلة، شرط أن تُدار هذه الفرصة بعقل اقتصادي وأن تُترجم الوعود إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، فالمعادلات في المنطقة تتبدل بسرعة، ومن يلتقط اللحظة أولاً سيكون الأكثر استفادة منها.