كتب جورج أبو صعب:
بتوقيت يثير تساؤلات عدة، أعلنت الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة أوبك، تلك المنظمة التي لطالما شكّلت مرجعية عالمية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعُنيت بتنظيم أسواق النفط والتحكّم بأسعاره، سواء من حيث المعروض أو مستويات الإنتاج.
هذا الانسحاب الإماراتي، الذي سيدخل حيّز التنفيذ في الأول من الشهر المقبل، يشكّل أولى إشارات الانتقال من نظام إقليمي قديم إلى نظام إقليمي جديد، قد يشهد، فيما سيشهده، انسحابات من منظمات إقليمية أخرى كمجلس التعاون الخليجي، ومنظمات عربية كجامعة الدول العربية وسواها. وهو ما يدلّ على أمر أساسي مفاده انتهاء حقبة النظام الإقليمي الذي ساد المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا، وبداية حقبة جديدة قائمة على التنافسية، والإنتاجية المنفردة، وتحرّر الأسواق وسواها من السمات.
مما لا شك فيه أن تطورات المنطقة منذ 7 تشرين الأول 2023 قلبت كل المعادلات السائدة سابقاً، وسرّعت الخطى نحو تغيير شامل بدأت ملامحه بالظهور حتى بين دول المنطقة نفسها.
في الملف النفطي، سبق أن شهدت العلاقة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة خلافاً حول مستويات الإنتاج وكميات المعروض الواجب ضخّها في الأسواق. إذ لطالما سعت الإمارات إلى اعتماد معروض نفطي يفوق الكميات المحدّدة، معتبرة أن هذه السياسة تضمن لها عدم الوقوع في عجز أو فائض.
فتكلفة برميل النفط في الإمارات تبلغ نحو 50 دولاراً، في حين تصل في السعودية إلى حوالي 95 دولاراً للبرميل.
وبالتالي، فإن انخفاض الأسعار، في حال حصوله نتيجة زيادة المعروض، قد يحقق مكاسب للإمارات، في مقابل خسائر محتملة للرياض.
من هنا، فإن أي خلل في التحكّم بأسعار النفط من خارج المنظومة النفطية المسيطرة قد يؤدي إلى فقدان توازن مرحلي في الأسعار، خاصة بالتزامن مع حصار مضيق هرمز وإقفاله.
وهنا يبرز التساؤل حول توقيت انسحاب الإمارات من أوبك، في ظل إقفال المضيق وتعثر الإنتاج النفطي في المنطقة وعمليات التصدير.
إدارة الرئيس دونالد ترامب كانت قد طلبت، في وقت سابق، من الإمارات إجراء مبادلة عملات، بهدف عدم الضغط على سيولتها وعدم المساس باحتياطها بالدولار، الذي يُوظَّف قسم كبير منه في سندات الخزانة الأميركية.
وبالتالي، باتت للإمارات مصلحة كبيرة مع الأميركيين في تعزيز عملتها واقتصادها بضمانات أميركية، ما قد يفسّر استجابتها، في المقابل، لطلب إدارة ترامب بالانسحاب من أوبك، بهدف جعل المنظمة أكثر هشاشة، ضمن استراتيجية بعيدة المدى ترمي إلى إنهاء النظام القديم ومنظماته وتقويض أدوارها.