كتب عبد الفتاح خطاب: لقد أربكنا الرئيس دونالد ترامب إرباكاً شديداً، وأربك العالم أجمع، بل وأعجز حتى خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تحاول فكّ شفرة تصريحاته المتلاحقة! ففي عالم ترامب، لا توجد ثوابت سياسية صلبة، بل "حالات مزاجية" تُصاغ في قوالب دبلوماسية متغيرة.
يبدأ ترامب صباحه بمنشورٍ "زلزالي" على منصته (تروث سوشال)، يدوّي فيه بأن إيران يجب أن تتغيّر تغييراً جذرياً وأن النظام ينبغي أن يزول، ثم لا تمضي ساعتان حتى يطلّ عبر نافذة إعلامية أخرى ليقول ببرود إنه لا يريد تغيير الأنظمة، بل يبحث عن "صفقة عظيمة"، أعظم صفقة في التاريخ!
وهنا يبرز السؤال الوجودي: هل يريد ترامب رؤوساً تتساقط أم مصافحات تاريخية؟ أم أنه يمارس "فن الفوضى" بانتظار أن ينهار خصمه تحت وطأة الحيرة؟
هذا التناقض ينسحب بوضوح على الملف النووي، حيث ينتقل من المطالبة بإنهاء البرنامج نهائياً، إلى التصريح بأن إيران باتت على وشك امتلاك القنبلة، ليعود في الجملة التالية ويؤكد أنه أوقفها منذ زمن بعيد! فكيف تكون "على وشك" وهو قد "قضى عليها"؟ وما الذي يريده بالضبط؟
حتى في ملف الصواريخ الباليستية، يطالب تارة بتدمير القدرات كاملة، ثم يعود ليعلن أنه لا يريد حرباً بل يريد فقط توقف الهجمات على إسرائيل. هل يريد تدميراً شاملاً أم هدنة مؤقتة أم سلاماً دائماً، أم كلّ ذلك مجتمعاً في آنٍ واحد حسب ما تقتضيه بوصلة اللحظة؟
الأمر لا يتوقف عند التصريحات، بل يمتد للتناقض في الممارسة؛ فهو يفاجئنا أحياناً بصبّ جام غضبه على الصين لأنها تشتري النفط الإيراني، مطالباً بوقف ذلك فوراً، متناسياً أنه هو نفسه من منح إعفاءات سابقاً سمحت بمرور هذا النفط بأسعار زهيدة، فمن الذي فتح الباب للصين أصلاً ثم عاد ليحاول كسره؟
وينهي ترامب دائماً وصلاته بعبارته المألوفة بأنه سيحقق أعظم سلام في التاريخ، أفضل من الاتفاقيات الإبراهيمية، طالباً من الجميع أن يصدقوه. لكن كيف سيحدث ذلك؟ بالقصف الجوي المكثف؟ بالعقوبات الخانقة؟ بالتفاوض المفاجئ؟ أم بالانسحاب ثم العودة؟
الحقيقة أن العالم يتابع يومياً مسرحية "ترامب والأهداف المتقلّبة"، حيث يملك الرجل تفوقاً جوياً وبحرياً وعقوباتٍ اقتصادية وتغريداتٍ مدوّية، لكنه يفتقر إلى هدفٍ واحدٍ ثابت يستطيع تكراره مرتين متتاليتين، دون أن يناقض نفسه.
لقد زعم يوماً أنه أنهى ثماني أو تسع حروب مروجاً لاستحقاقه جائزة نوبل، لكن الإنجاز الوحيد الواضح والمستمر حتى الآن هو "الارتباك الإعلامي العالمي الشامل".
مباركٌ على ترامب، لقد قدم عرضاً مسرحياً مبهراً، لكن الجمهور بدأ يدرك أن خلف هذا الضجيج مسرحاً بلا نصّ مكتوب، وبدأ يشعر بملل حقيقي من هذا التكرار المربك. ولأن لكل عرض نهاية، فمن يدري قد يأتي يوماً يستعير الأمريكيون عبارته الشهيرة في مسلسل "المتدرب" (The Apprentice)، ويصرخون بوجهه: "أنت مطرود!".
