ايران الداخل: نظام في مرحلة الانحدار.. للانهيار

4

رغم كلّ التصريحات والمواقف الصادرة عن النظام الإيراني حيال الحرب التي تشنّها عليه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والتي توحي بأن الوضع الداخلي الإيراني ممسوك ومنضبط، إلا أن الحقيقة تبدو مغايرة تماماً لما هو ظاهر ومعلن.

فوفق معلومات متقاطعة من الداخل الإيراني، ولا سيما من أوساط المعارضة في الداخل والخارج، يمكن تأكيد ما يلي:

أولاً: صحيح أنّ النظام في إيران لا يزال قادراً على إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل ودول المنطقة، كما لا تزال أجهزته الأمنية منتشرة في الداخل، من الباسيج إلى الحرس الثوري الإيراني في شوارع طهران ومدن أخرى، مع رسائل مكتوبة تُنسب إلى المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، من دون صورة أو ظهور علني. إلا أنّ هذه المظاهر، وعلى عكس ما يُعتقد، لا تعكس بالضرورة قدرة النظام على امتصاص صدمة الحرب والاستمرار، بل تشير إلى أنه كان يستعدّ منذ أكثر من عقدين لمثل هذه الظروف القصوى، وتحديداً منذ تصنيف الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش لإيران وكوريا الشمالية ضمن "محور الشر".

وفي هذا السياق، عمل النظام على إنشاء عشر مقرات إقليمية تُدار من قبل الحرس الثوري، تتولى كلّ منها إدارة مناطق محددة، مع منحها استقلالية عملياتية واسعة، بحيث يتمكن النظام من الاستمرار وإعادة إنتاج نفسه حتى في حال سقوط قياداته العليا.

ثانياً: عندما سُئل وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي عن سبب قصف سلطنة عُمان، رغم علاقتها الجيدة مع الجمهورية الإسلامية، جاء رده ليعكس واقعاً داخلياً معقّداً، إذ أشار إلى أنّ الحرس الثوري هو من اتخذ قرار الاستهداف وفق أهداف محددة، ما يدل على هامش استقلالية واضح في قراراته عن الإدارة السياسية.

وبناءً عليه، فإن استراتيجية النظام الحالية لا تقوم على تحقيق النصر، بقدر ما ترتكز على القدرة على الصمود والتحمّل، في مرحلة تبدو أقرب إلى مسار انحداري قد ينتهي بانهيار مفاجئ أو تدريجي. وقد أعدّ النظام، منذ سنوات، خططاً لإدارة هذه المرحلة على مستوى المدن والأحياء، حيث يتولى الحرس الثوري مهمة الصمود، إلى جانب القمع والملاحقة للمعارضين.

ثالثاً: تعرّضت البنى التحتية الأمنية للحرس الثوري لضربات قاسية نتيجة الهجمات الأميركية والإسرائيلية، ما أدى إلى تضرّر شبكات الرصد والمتابعة والتدخل السريع، خصوصاً لدى قوات الباسيج. كما طالت الضربات مقرات للشرطة والباسيج، ما انعكس تراجعاً في قدرتهم على التنسيق والسيطرة الميدانية كما في السابق.

ومن هنا، فإن أي انتفاضة شعبية جديدة قد تشهدها المدن الإيرانية ستكون أكثر صعوبة على أجهزة القمع، التي قد تحتفظ بقدرتها على استخدام العنف، لكن من دون القدرة الكاملة على فرض السيطرة.

رابعاً: في أعقاب الأحداث الدامية التي شهدتها عدة مدن إيرانية في كانون الثاني الماضي، والتي أسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، لا تزال مؤشرات الغضب الشعبي قائمة، وتظهر في مناسبات مختلفة، لا سيما خلال إحياء ذكرى "الأربعين" وغيرها، حيث تتكرر الهتافات المناهضة للنظام والداعية إلى إسقاطه.

وعليه، فإن عودة الاحتجاجات إلى الشارع تبدو مسألة وقت، لكنها تخضع لحسابات دقيقة لتفادي مزيد من الخسائر البشرية، بانتظار اللحظة المناسبة.

في 28 شباط الماضي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن واشنطن تعمل على تهيئة الظروف لتمكين الشعب الإيراني من إدارة بلاده، داعياً المواطنين إلى البقاء في منازلهم لتجنّب مخاطر القصف، وهو ما أكدته أيضاً القيادة المركزية الأميركية.

خامساً: يمكن للحملات الجوية أن تساهم في إضعاف النظام أو تسريع سقوطه، تمهيداً لتحركات داخلية شعبية، إذ رغم أن الأنظمة لا تسقط بالقصف الجوي وحده، إلا أنه يخلق ظروفاً مساعدة على الانهيار.

ففي السابع من كانون الثاني، خرجت نحو مئة مدينة إيرانية من أصل 400 عن سيطرة النظام خلال الاحتجاجات، وذلك رغم أن أجهزته الأمنية كانت حينها في وضع أفضل بكثير مما هي عليه اليوم. ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام على مواجهة انتفاضة جديدة في ظل الظروف الحالية.

الداخل الإيراني يعيش حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، مع تصاعد منسوب الشك والقلق، بانتظار لحظة مفصلية قد تحددها حركة الشارع، ما لم تطرأ متغيرات في الحسابات الدولية، وخصوصاً في واشنطن.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: