يطفو تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس على سطح المشهد كرسالة مشروطة أكثر منها توصيفاً دقيقاً للواقع، إذ ربط عودة مئات آلاف الجنوبيين بضمان أمن المستوطنات في شمال إسرائيل واضعاً مسألة إنسانية بحتة في إطار أمني ضيق ومشدود.
في المقابل، يقدم الباحث في الشركة الدولية للمعلومات محمد شمس الدين قراءة ميدانية هادئة لموقع LebTalks تكشف عن تقدير أكثر واقعية لهذا الرقم. فالمساحة الجنوبية المعنية ليست مكتظة كما يُروج، والقرى بطبيعتها صغيرة ومحدودة الكثافة، فيما تبقى مدينة صور الاستثناء الأبرز من حيث الحجم والحضور السكاني، وعند التدقيق لا يتجاوز عدد المقيمين الدائمين فيها 250 ألف نسمة كحد أقصى.
ويشير شمس الدين إلى أن هذه التقديرات تتعلق بتركيب سكاني له خصوصيته، جزء غير قليل من أبناء القرى غادرها منذ سنوات طويلة، تحديداً خلال مرحلة ما عُرف بجيش لبنان الجنوبي بقيادة أنطوان لحد، ولم يعد إليها إلا في مناسبات موسمية أو زيارات عائلية متقطعة فيما تحولت بيوت كثيرة إلى مساكن شبه فارغة يسكنها الغياب أكثر مما يسكنها أصحابها.
تتضح الصورة أكثر عند النظر إلى نماذج محددة، فمدينة بنت جبيل على سبيل المثال تضم في سجلاتها ما بين 30 و40 ألف نسمة، بينما لا يتجاوز عدد المقيمين فعلياً فيها بضعة آلاف، وهو فارق يعكس طبيعة ديموغرافية قائمة على الاغتراب والانتقال الداخلي أكثر مما تعكس استقراراً دائماً، أي رقم يتجاوز هذا السقف يبدو أقرب إلى تقدير سياسي منه إلى إحصاء واقعي.
وعند توسيع العدسة لتشمل حركة النزوح الأخيرة، تتداخل الأرقام وتتقاطع، إذ يُقدر النزوح الصافي من الجنوب والضاحية بنحو 650 ألف شخص، يُضاف إليهم ما يقارب 130 ألف نازح سوري عادوا إلى بلادهم، ما يرفع العدد الإجمالي إلى حدود 800 ألف فعلياً، وهو رقم يعكس دينامية نزوح متعددة الاتجاهات لا يمكن حصرها في منطقة واحدة أو قراءتها بخط واحد.
ويشير شمس الدين إلى أن الأنظار تتجه إلى المسار الطبيعي لحركة السكان في لبنان، حيث لا يبقى النازح في الفراغ، إنما يبحث عن بيئة قريبة منه اجتماعياً واقتصادياً. ومن هذا المنطلق، يبرز احتمال انتقال عدد كبير من الجنوبيين نحو الضاحية الجنوبية لبيروت، باعتبارها الامتداد الأكثر انسجاماً مع نسيجهم، وهو سلوك سبق أن شهده البلد في محطات مفصلية، كما حصل خلال حرب الجبل حين اتجه النازحون المسيحيون إلى مناطق المتن وكسروان بدلاً من التوزع العشوائي.
ويخلص إلى القول: التعقيد الحقيقي لا يكمن في حركة النزوح بحد ذاتها، إنما في احتمالات تعطيلها أو إعادة توجيهها قسراً. فإذا مُنع الجنوبيون من العودة إلى قراهم، واستُكملت القيود لتطال حتى مناطق نزوحهم البديلة يصبح المشهد مفتوحاً على اختلالات اجتماعية واقتصادية دقيقة، وقد يتحول الضغط الديموغرافي إلى عامل توتر داخلي يصعب احتواؤه، خصوصاً في ظل هشاشة البنية اللبنانية أصلاً.