كمراقب ومتابع للأحداث والوقائع والتطورات، برز في خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على النظام الإيراني منذ اليوم الأول لاندلاعها اختلافات حادة وانقسامات في رؤية الشارع العربي لهذه الحرب، لا بد من الإشارة إليها لاستخلاص العبر.
أقل ما يقال في هذا الإطار إن الفكر العربي، المختلط على الدوام بالمشاعر والعواطف، يقدم تقييمًا للحرب متعدد الأوجه: فثمة من، بسبب وجود إسرائيل في الحملة، يناصر النظام الإيراني ويقف ضد الحرب. نجد هذا الفريق في عدد من الدول العربية والإعلام العربي، حيث تتخلل هذا الرأي مقارنات بين كيفية تعاطي إسرائيل مع الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بالجور والاضطهاد والتنكيل والتهجير والقتل، وعدم مشروعية تأييد إسرائيل في "قتل الإيرانيين". وبالتالي، هذا الفريق المناصر للنظام الإيراني يبني رأيه فقط على العداء لإسرائيل بالمطلق، أينما حلت ومهما فعلت وأينما كانت. المعادلة بسيطة: كل من هو ضد إسرائيل نؤيده، ولو كان يهدد الأمن العربي والنسيج الاجتماعي والديني العربي، وغالبًا ما نجد في هذا الفريق الإسلام السياسي السني والشيعي على السواء.
ويجد هذا الخطاب والتوجه الفكري من يؤيده في الشارع العربي، سواء في الرأي العام أو الشارع، أي بعض الحكومات أو الإعلام، وهو واقع وحقيقة.
وهناك فريق آخر في الشارع والرأي العام والإعلام والحكومات يعتبر النظام الإيراني الحالي نظامًا معاديًا تفوق خطورته خطورة المشروع الإسرائيلي، استنادًا إلى معادلة تقول: إن إسرائيل خطر بمفاعيله المحدودة في احتلال أرض عربية واغتصاب حق شعبها في الاستقلال والحكم الذاتي، بينما نظام الجمهورية الإسلامية في إيران يتفوق على الخطر الإسرائيلي بحيث يهدد أمن واستقرار ووحدة نسيج وفكر ومعتقد الشعوب العربية في المنطقة.
ونجد وسائل إعلام ومفكرين وحكومات وأنظمة عربية برمتها تعلن العداء للنظام في طهران باعتباره أكثر الأنظمة المهددة للأمن القومي العربي والخليجي، ومواقع تواصل اجتماعي تواجه مواقع تواصل الفريق المناصر للنظام.
وهناك فريق ثالث لا يناصر النظام الإيراني ولا إسرائيل في هجومها على هذا النظام، انطلاقًا من قاعدة شرعية: "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين". وهذا الرأي العربي، وإن كان يعترف بعدائه لإسرائيل التاريخي، إلا أنه يأبى أن يعطي النظام الإيراني أي مكسب أو ثناء، انطلاقًا من أن إسرائيل، كما النظام في طهران، يهدفان مجتمعين لضرب العرب والدول والشعوب العربية.
من هنا ترتسم مشهدية أزمة فكر عربي يخلط بين العقيدة كأساس للتأييد أو المعارضة، وبين الأهداف السياسية والاستراتيجية ومفاعيلها الإيجابية أو السلبية على المجتمعات العربية.
في الفريق العربي المعارض للنظام الإيراني، نظرة رافضة لعقيدة دينية تهدد المنطقة بالتشيع، انطلاقًا من مبدأ وتجليات "تصدير الثورة"، وهذا ما تحاربه الأغلبية "السنية" لدى العرب، ولو تطلب الأمر التسامح مع الإسرائيلي طالما أنه يقوم بما يخدم أجندة هذا الفريق، واليوم من خلال ضربه النظام في طهران لإسقاطه وبالتالي إنهاء "الشر المستطير" عليه.
وعند الفريق المناصر للنظام الإيراني، استنادًا إلى الدين أولًا، كون الجمهورية الإسلامية في إيران دولة مسلمة أولًا، مؤمنة بالقرآن الكريم، ولو كانت شيعية المذهب، المهم أنها تقود مشاعر قسم من العرب والمسلمين في مواجهة إسرائيل والتغلب عليها، إحقاقًا "لعدالة" القضية الفلسطينية.
هكذا نجد دول الخليج وشعوبها في طليعة المؤيدين لإنهاء خطورة النظام الإيراني الحالي عليهم، ومعها دول عربية كـ سوريا والأردن منطقًا واحدًا، فيما الفريق المناصر للنظام يخوض حاليًا معركة مصير وبقاء، ومن الفريق حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيون في اليمن، وإن كانوا هؤلاء بدأوا يتلمسون مخاطر الاستمرار في دعم النظام الإيراني المتهاوي والمتهالك يومًا بعد يوم.
كل هذه المشهدية المتضاربة في الفكر العربي المنقسم والمشتت من الممكن معالجتها فكريًا، لكن المشاعر والعواطف المختلطة والمتذبذبة حيال النظام في إيران من كل الفرقاء تجعل من الصعب الاتفاق على قاسم مشترك يوحد الرؤية، خاصة وأننا أمام فكر براغماتي لدى بعض العرب يفصل بين الأمور وبين الأولويات وبين الأفضليات: فثمة فريق عربي يفضل ألف مرة النظام في إيران على رؤية نظام صديق لإسرائيل في إيران، وهناك فريق آخر يفضل ألف مرة نظامًا صديقًا لإسرائيل، وبالتالي للولايات المتحدة، يمكن الاتفاق والتطبيع معه مع الوقت وبناء منظومة إقليمية متقدمة، متطورة، مزدهرة.
إننا في قلب أزمة الفكر العربي، ولا نرى قواسم مشتركة، بل اختلافات جذرية في منطلقاتها وعقائدها وفي البراغماتية المصلحية.