منذ اندلاع الصراع العسكري في منطقة الخليج بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة ثانية، يعيش الوضع على الجبهة الأوكرانية – الروسية حالة شبه تجميد، نتيجة ترابط وتشابك مصالح القوى الفاعلة في أكثر من ملف وعلى أكثر من قارة.
وقد وصلت الحرب الروسية على أوكرانيا، في سنتها الخامسة، إلى مجموعة من الاستنتاجات الجيوسياسية الأساسية، أبرزها:
أ – فشل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حسم الملف الأوكراني لصالحه، نتيجة بروز مقاومة أوكرانية وطنية شرسة وعنيدة، مدعومة بتضامن أوروبي واسع مع حق كييف في السيادة والاستقلال.
هذا، إلى جانب الدعم الأميركي الكبير الذي تحقق خلال عهد الرئيس جو بايدن، والذي خفّف الرئيس دونالد ترامب من وتيرته لاحقاً، انطلاقاً من حسابات جيوستراتيجية مرتبطة برؤيته للعلاقات الأميركية – الروسية، والأميركية – الأوروبية، وحلف الناتو وسواه.
ب – فشل موسكو في احتواء أوكرانيا، أو تطويعها، أو إسقاط حكومة كييف والرئيس فولوديمير زيلنسكي، رغم مختلف الضغوط التي مورست على الجانب الأوكراني، والتي شارك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في جزء منها، كما حصل خلال "لقاء البيت الأبيض العاصف".
ج – نجاح الأوروبيين في إخراج الملف الأوكراني – الروسي من إطاره الضيق كصراع بين دولتين، إلى فضاء أوسع يعتبر الهجوم على أوكرانيا هجوماً على أوروبا بأكملها، ما أضاف مزيداً من التعقيدات إلى الخطط الروسية، ودفع الرئيس بوتين إلى إعادة النظر في الكثير من حساباته.
فلم تشفع له حتى الآن رسائل الرئيس ترامب المنفتحة والمسالمة والداعية إلى تسوية سلمية للصراع، ولا سيما بعد فشل أكثر من مبادرة أطلقها الأخير غداة عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، وصولاً إلى الإقرار العلني من المكتب البيضاوي بأن الرئيس بوتين "خيّب آماله" في عدة محطات تفاوضية وحوارية.
د – فشل الرئيس بوتين، في مرحلة أولى، في إقناع بيلاروسيا بالانخراط الكامل في الحرب على أوكرانيا، رغم بعض العمليات المحدودة التي لم ترقَ إلى مستوى اجتياح أو هجوم واسع النطاق على كييف.
لكن، وفي مقابل حفاظ الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو على منصبه، نجح الرئيس بوتين في توريط بيلاروسيا عبر تحويلها إلى قاعدة عسكرية عملياتية متقدمة ضد أوكرانيا، ما يعني، وفق القانون الدولي وقانون الحرب، توسيع نطاق الحرب وتورّط دولة ثانية إلى جانب الروس في ضرب أوكرانيا والاعتداء على أمنها وسيادتها واستقلالها.
وإزاء هذا التورط البيلاروسي، بات من واجب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتخاذ موقف صارم من بيلاروسيا، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي سبق أن أدان العام 2021، وببيان شديد اللهجة على لسان ممثله الأعلى، تفاقم عمليات استغلال البشر المنظمة من قبل النظام البيلاروسي لأغراض سياسية، بعدما قامت قوات الأمن البيلاروسية بمرافقة مجموعات من المهاجرين نحو حدود الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بهدف فرض الدخول غير القانوني.
وأقلّ ما يمكن للأوروبيين فعله اليوم، رداً على التورط البيلاروسي ضد أوكرانيا، يتمثل بسحب الاعتراف باستقلال بيلاروسيا الذي مُنح لها العام 1991، وفرض عقوبات سياسية واقتصادية ومالية عليها، وإدانة نظام لوكاشينكو لتعريضه الأمن الأوروبي للخطر مجدداً من خلال تحالفه مع الاتحاد الروسي ضد دولة سيدة مستقلة هي أوكرانيا.
وتجدر الإشارة إلى أن استعانة الرئيس بوتين ببيلاروسيا تشكل إقراراً ضمنياً بعجزه منفرداً عن تحقيق أهدافه في أوكرانيا، وبالتالي فشله في القضاء على النظام في كييف، وسقوط رواية "العملية الخاصة"، بعدما بات مكشوفاً على أكثر من محور، وليس فقط في أوكرانيا، كما هو الحال في المسألة الإيرانية.
وإذا كان ما يقوم به الرئيس بوتين مع بيلاروسيا يهدف إلى توسيع خط المواجهة لإجبار القوات المسلحة الأوكرانية على سحب جزء من قواتها من الجنوب والشرق، فإن الأوكرانيين لا يزالوا قادرين على المواجهة وإحباط الخطة الروسية، رغم تعاظم الضغوط الروسية على لوكاشينكو، والدفع به نحو قرار انتحاري يتمثل في الدخول في حرب مفتوحة.
وفي ضوء التحركات الميدانية الأخيرة للنظام البيلاروسي، يمكن ملاحظة الارتفاع الملحوظ في مستوى التهديد. كما أن إعلان لوكاشينكو عن "تعبئة محدودة" لوحدات عسكرية بهدف التحضير للعمليات القتالية، يُعد مؤشراً على الاستعداد لشن عدوان على كييف، خصوصاً بعد نشر المنظومات الصاروخية الباليستية الروسية من طراز "أوريشنيك" على الأراضي البيلاروسية، وإجراء تدريبات مشتركة على الاستخدام القتالي للأسلحة النووية التكتيكية، ما شكّل تحدياً غير مسبوق ليس فقط لأوكرانيا، بل لأمن واستقرار القارة الأوروبية بأكملها.
فمما لا شك فيه أن روسيا الاتحادية تنظر إلى بيلاروسيا باعتبارها منصة انطلاق لشن ضربات على غرب أوكرانيا، فيما يتمثل الهدف الرئيسي للضربات المحتملة من الشمال بمحاولة قطع خطوط الإمداد اللوجستية الحيوية، وتعطيل إيصال المساعدات العسكرية والإنسانية الغربية إلى أوكرانيا.
وفيما تعتمد خطابات لوكاشينكو على ادعاءات بوجود "تهديد هجوم" من أوكرانيا ودول الناتو، ويواصل الترويج لأسطورة عدوان مزعوم على بيلاروسيا، مهدداً بـ"استخدام كامل الترسانة" بالتعاون مع روسيا، فإنه يعمل في الخفاء على تبرير عسكرة البلاد وتحضيرها للحرب، علماً أن التهديد الحقيقي الوحيد الذي يواجه الشعب البيلاروسي ينبع من سياسات لوكاشينكو نفسه.
وللتأكيد، فإن من حق أوكرانيا الشرعي والطبيعي، في مواجهة التهديد المقبل من بيلاروسيا، اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للتصدي لهذه التهديدات ضمن إطار القانون الدولي، ووفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على الحق غير القابل للتصرف في الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي في حال وقوع هجوم مسلح.
وقد أكدت القيادة الأوكرانية والعسكرية أن أي عبور غير قانوني للحدود، أو أي ضربات واسعة النطاق من الجانب البيلاروسي، سيُقابل برد فوري وحاسم، علماً أن كييف حدّدت بالفعل 500 هدف استراتيجي داخل الأراضي البيلاروسية، تشمل منشآت عسكرية ومستودعات ومصانع للصناعات الدفاعية، سيتم استهدافها في الساعات الأولى لأي صراع مباشر.
وفي إطار ممارسة حقها في الدفاع عن النفس، عززت أوكرانيا دفاعاتها على حدودها الشمالية عبر إنشاء خطوط دفاعية متعددة الطبقات، وزرع الألغام، وتمركز وحدات قتالية متقدمة، في خطوات اضطرارية لكنها ضرورية لإظهار أن أي محاولة غزو ستتحول إلى كارثة على الجيش البيلاروسي، بعدما تحولت مينسك إلى جار غير متوقع يشكل خطراً مباشراً.
وتدرك كييف أن التصريحات العدوانية الصادرة عن مينسك تعكس طموحات شخص واحد في الكرملين يخضع له الرئيس البيلاروسي، الذي يحتكر السلطة بصورة غير شرعية، ولا تعبّر عن إرادة الشعب البيلاروسي بأكمله، إذ إن البيلاروسيين لا يريدون الحرب مع أوكرانيا، ما يفرض التمييز بين أوامر النظام وموقف المجتمع المدني الذي بات رهينة للظروف.
وانطلاقاً من مجمل هذه المعطيات، يمكن الجزم بأن التهديدات المستمرة التي يطلقها بوتين ولوكاشينكو بشأن تصعيد الحرب تشكل خطراً حقيقياً على مواطني الاتحاد الأوروبي، وليس فقط على أوكرانيا، خصوصاً في ظل احتمال وقوع خطأ عرضي أو متعمد قد يؤدي إلى إشعال صراع أوسع وتحويله إلى حرب أوروبية شاملة، ما يستدعي اتخاذ تدابير عاجلة لخفض التصعيد العسكري.
ومن هنا، وكما ذكرنا أعلاه، فإن أفضل وأنجع وأسرع وسيلة للتأثير على لوكاشينكو تتمثل في موقف أوروبي حازم يقضي بتشديد العقوبات على بيلاروسيا، بما في ذلك إغلاق مسارات الترانزيت البري والسككي للبضائع عبر أراضيها، وسحب الاعتراف باستقلال بيلاروسيا الممنوح العام 1991.
كما أن أسرع طريقة لوقف التصعيد الروسي – البيلاروسي تكمن في إظهار أن أي هجوم سيكون خاسراً مسبقاً، ما يفرض على الدول الأوروبية رفع كل القيود عن تزويد أوكرانيا بالأسلحة، وتعزيز قدراتها العسكرية، وتقديم أنظمة بعيدة المدى وطائرات مسيّرة بأعداد كبيرة.
فتقوية القوات المسلحة الأوكرانية عسكرياً، وبالعتاد والسلاح النوعي، ستوجّه رسالة واضحة إلى موسكو ومينسك بأن اللعب بالنار هذه المرة سيكون مكلفاً للغاية، ما قد يدفعهما إلى التراجع عن فكرة مهاجمة أوكرانيا أو تهديدها.
فالقوة تبقى اللغة الوحيدة التي يفهمها الدكتاتوريون.