"حزب الله" وتحدي الوقائع لا التبعية

HZB-4-rdjpkyqmw424jxvn939svu47z5d30nsiscpxur9mao-rh8tgpx2h66558qn4im3s3sqmslhh7mdqgrdm8arz4

كتب سعد كيوان:

 الوقائع تثبت أنها وقائع، حتى في السياسة اللبنانية التي اعتاد اللبنانيون التعامل معها بخفة، والتي دأب سياسيّوها على تجاهلها، أو في بعض الحالات الاجتهاد في تفسيرها إلى حدّ تشويهها. غير أن ما يحصل اليوم من وقائع يؤكد صحة الخيار الذي سلكه الحكم اللبناني، أولاً بفرض استقلالية القرار الذي غُيّب منذ عقود، وثانياً بسلوك خيارات نابعة من مصلحة لبنان ومصلحته فقط، بعيداً عما يفرض، أو يحاول الخارج، حتى عندما يكون جاراً، أن يفرض عليك قراراً أو توجهاً ما، أو عندما تحاول بعض الأطراف الداخلية، لحسابات خاصة أو فئوية، جرّ البلد إلى متاهات، واستعماله عموماً ورقة للتفاوض.

وهذا ما حاول "حزب الله"، كذراع لنظام الملالي، فعله بتحويل لبنان إلى أداة إيرانية، ولا سيما في السنوات الأخيرة بشكل واضح ومكشوف، منذ "حرب الإسناد" في خريف 2023 التي انتهت بمقتل حسن نصر الله، وآلاف الضحايا، واحتلال خمسة مواقع في الجنوب، تلتها "حرب الإسناد" الثانية في آذار من هذا العام انتقاماً لمقتل علي خامنئي، واحتلال ثمانين قرية جنوب الليطاني، ودمار الكثير منها، وسقوط آلاف الضحايا الآخرين... كل ذلك من أجل أن تتمكن إيران من استعمال لبنان كورقة من أوراق التفاوض مع الولايات المتحدة.

وهنا لا بد من ملاحظة أن معظم الأوراق التي يستعملها الملالي ليست لهم، وإنما وُضعت يدهم عليها، بدءاً من لبنان، مروراً بمضيق هرمز، وصولاً إلى السلاح النووي. فالمضيق ليس ملكاً لإيران، وإنما هو ممر بحري دولي يحق لجميع الدول العبور فيه، وقد وضعت طهران يدها عليه بعد اندلاع الحرب عليها في آذار الماضي لتعزيز أوراقها التفاوضية، فيما تماطل وتتجنب التنازل في الملف النووي، لأنها تعلم أنه يشكل خطاً أحمر بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأن التخلي عنه قد يوجه ضربة للحزب الجمهوري، وربما يكلفه خسارة الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني المقبل.

وهنا حاول "حزب الله" أن يضم لبنان كورقة إلى مفاوضات إسلام آباد، لأنها، برأيه، ستجلب له وقف إطلاق النار الذي تسبب هو نفسه بإشعاله من أجل أسياده في طهران.

غير أن لبنان الرسمي مارس حقه الدستوري بالتفاوض المباشر، كدولة مستقلة وذات سيادة، مع إسرائيل في واشنطن برعاية الولايات المتحدة، وهو مسار انطلق في 14 نيسان الماضي بالتوازي مع المفاوضات الأميركية - الإيرانية في إسلام آباد. علماً أن مفاوضات واشنطن يقودها لبنان بنفسه، ولا يفاوض أحد نيابة عنه، وهي تخص قضايا لبنانية بحتة، مثل وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل، وعودة النازحين، فيما تربط مفاوضات إسلام آباد لبنان بمصير مضيق هرمز، المعني به العالم بأسره، وبالعقوبات الدولية التي تخص إيران وحدها، وأذرعها في المنطقة، ومن بينها "حزب الله"، الذي يشكو لبنان نفسه من سلاحه، وقد بات خارجاً على القانون. فكيف للملالي أن يحلّوا ميليشيا هم من أسيادها؟

ناهيك عن ربط الأمن في لبنان بحرية الملاحة وحركة الاقتصاد والتجارة الدولية، وكيف للبنان أن يقبل أن تقوم إيران بقصف دول الخليج العربية، كما تفعل هذه الأيام، ويلتزم الصمت لأن المعتدي يؤمن له وقف إطلاق النار؟ علماً أن وقف إطلاق النار هذا المزعوم لم يترجم فعلياً، ولم يردع إسرائيل أو يثنها عن مواصلة الاعتداءات والقصف والتفجير، وها هي اليوم تقترب من السيطرة على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، التي تجعل النبطية ومحيطها في مرمى قبضتها بعد رفع العلم الإسرائيلي فوقها. يضاف إلى ذلك أن إسرائيل ليست طرفاً في مذكرة التفاهم ولم تشارك في المفاوضات، فلماذا ستلتزم بها؟

ومع ذلك، فإن الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، الذي يدّعي "حزب الله" أنه جلب وقف إطلاق النار للبنان، انهار، وعاد الطرفان إلى المواجهة والقصف المتبادل، واستعر الصراع على مضيق هرمز والهجمات على السفن التي تحاول العبور. فما علاقة لبنان بكل هذه الصراعات والمناوشات؟ وما علاقته بالصراع على السلطة داخل الفريق الحاكم في إيران، وتحويله إلى ضحية لحسابات الحرس الثوري، الذي لا يعنيه وقف إطلاق النار ولا انسحاب إسرائيل من لبنان، وإلا خسر ورقة تفاوض أساسية، وخسر "حزب الله" وظيفته في لبنان والمنطقة؟

في المقابل، فإن الاتفاق - الإطار الذي وقعه لبنان مع إسرائيل في واشنطن يمهد، عبر الضغط الأميركي المباشر، لبداية انسحاب إسرائيلي جزئي وتدريجي من قرى ومواقع تجريبية جنوب الليطاني وشماله، يتسلمها مباشرة الجيش اللبناني، وهو ما سيُنظَّم في اجتماع روما. والواقع أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ثبت أنه لم يكن سوى تقطيع للوقت، إذ حمل في داخله بذور انهياره، بين التمسك بالملف النووي والصراع على مضيق هرمز كممر للملاحة الدولية وسوق للطاقة، فلم يصمد أكثر من ثلاثة أسابيع، فيما يبقى إخراج إسرائيل من الجنوب رهناً بالضغط الذي يمارسه الرئيس ترامب، وبحاجة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى تحقيق مكاسب سياسية قبل الانتخابات الإسرائيلية المتوقعة في 27 أكتوبر المقبل، بما يساعده على البقاء في رئاسة الحكومة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: