ليست كل التحولات التي يشهدها الفاتيكان تبدأ بمرسوم معلن، ففي كثير من الأحيان تسبقها همسات داخل المجالس الكنسية، ثم تتحول إلى نقاشات مغلقة، قبل أن تجد طريقها إلى القرار، وهذا تماما ما يدور اليوم في أوساط كنسية رفيعة المستوى، حيث يتردد بقوة أن الكرسي الرسولي يدرس آلية جديدة لإعادة تنظيم بقاء البطاركة والكرادلة في مواقعهم، عبر اعتماد سقف عمري قد يضع حداً لاستمرارهم في المسؤوليات التنفيذية، في خطوة توصف بأنها واحدة من أكثر التغييرات المنتظرة داخل الإدارة الكنسية منذ سنوات.
تشير المعطيات إلى أن النقاش لا يدور حول إنهاء الدور الروحي للبطاركة أو الكرادلة، وإنما حول تحويلهم بعد بلوغ السن المحددة، إلى وضعية المتقاعدين إداريًا، مع احتفاظهم بمكانتهم الكنسية والاعتبارية، وهو ما يعني أن القرار إذا أبصر النور، سيعيد رسم خريطة القيادة في عدد من الكنائس الشرقية والغربية، ويفتح الباب أمام سلسلة تعيينات جديدة داخل الفاتيكان والكنائس المرتبطة به، في وقت يشهد فيه العالم الكاثوليكي حركة مراجعة واسعة لآليات الإدارة والحوكمة داخل الكنيسة.
وفي لبنان، يبرز اسم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في مقدمة الشخصيات التي قد يشملها القرار، إذ إن بلوغه السن التي يتم التداول بها يجعله من أوائل المعنيين بأي تنظيم جديد، الأمر الذي يفسر حجم الاهتمام الذي يرافق هذه التسريبات داخل الأوساط الكنسية والسياسية على حد سواء، لما يمثله موقع بكركي من ثقل وطني يتجاوز الإطار الديني.
وفي حديث خاص لموقع LebTalks، أكد راعي أبرشية صيدا ودير القمر للروم الملكيين الكاثوليك المطران إيلي حداد أن ما يتم تداوله حول وجود توجه من هذا النوع صحيح، موضحاً أن الآلية إذا أقرت، لن تشمل الحبر الأعظم، وإنما ستطال البطاركة والكرادلة العاملين، بحيث يصبحون بحكم المتقاعدين إدارياً، من دون أن يعني ذلك عزلهم أو تجريدهم من مكانتهم الكنسية، أضاف أن العمر الذي يجري البحث فيه يتراوح بين الثمانين والخامسة والثمانين عاما.
ورجح المطران حداد أن يكون البطريرك الراعي من أوائل الذين سيشملهم التنظيم الجديد مشيراً إلى أنه، إذا صدر القرار خلال الأسابيع المقبلة كما هو متداول، فمن المتوقع أن يقدم استقالته خلال فترة وجيزة قد لا تتجاوز أسبوعين من تاريخ صدوره وفق الآليات الكنسية المعتمدة.
ولا تقتصر أهمية هذا الملف على الجانب الإداري، إذ يرى متابعون للشأن الفاتيكاني أن أي خطوة من هذا النوع ستنعكس مباشرة على توازنات الكنائس الشرقية، حيث تلعب الشخصيات البطريركية أدواراً تتجاوز الشأن الكنسي وتمتد إلى الملفات الوطنية والسياسية والحوار بين الطوائف، لذلك فإن أي تغيير في مواقعها سيكون موضع متابعة دقيقة داخل المنطقة، لا سيما في لبنان الذي يرتبط فيه الموقع البطريركي بتاريخ طويل من الحضور الوطني.
وتأتي هذه الأحاديث في مرحلة تشهد نشاطاً مكثفاً داخل الفاتيكان، مع انعقاد اجتماعات موسعة للكرادلة وطرح ملفات تتعلق بمستقبل الإدارة الكنسية وأساليب عملها، في إطار رؤية تسعى إلى تعزيز فاعلية المؤسسات الكنسية ومواكبة التحولات التي يشهدها العالم، من دون أن يكون قد صدر حتى الآن إعلان رسمي يؤكد اعتماد سن إلزامية جديدة لتقاعد البطاركة أو الكرادلة، الأمر الذي يبقي كل ما يتم تداوله في إطار المعلومات المتقاطعة والانتظار إلى حين صدور موقف رسمي من الكرسي الرسولي.
وفي سياق مختلف، تطرق المطران حداد إلى الواقع الميداني في جنوب لبنان، مشيراً إلى أن تداعيات الحرب لم تنته بعد بالنسبة إلى عدد من العائلات النازحة، وقال إن قسماً من الأهالي لا يزال يقيم في المدارس الرسمية أو في الجامعة بينما يواصل المستأجرون انتظار ما ستؤول إليه التطورات الأمنية قبل اتخاذ قرار العودة في ظل استمرار حالة الترقب التي تخيم على المنطقة، حيث تبقى العودة الكاملة مرتبطة باستقرار الأوضاع على الأرض أكثر من ارتباطها بالوقت.