اندفعت الدولة اللبنانية في الساعات الأخيرة إلى واجهة الحراك الدولي لمنع انتقال نار المواجهة إلى بيروت والضاحية الجنوبية، عبر سلسلة اتصالات سياسية وديبلوماسية كثيفة تولت من خلالها تثبيت خطوط التهدئة مع واشنطن وعدد من العواصم المؤثرة، في محاولة لقطع الطريق أمام أي ضربة قد تدفع البلاد نحو انفجار واسع يفوق بارتداداته حدود الجغرافيا اللبنانية.
ضمن هذا المسار، حضرت السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى معوض كواحدة من أبرز حلقات التواصل التي شاركت في إدارة شبكة الاتصالات الهادفة إلى تبريد المشهد ومنع انزلاق الوضع نحو مواجهة مفتوحة، ولا سيما بعد التواصل الذي جرى مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي أفضى، بحسب المعطيات المتداولة، إلى تجميد استهداف بيروت والضاحية الجنوبية في تلك المرحلة الدقيقة.
في المقابل، يحاول حزب الله المرتبط بالحرس الثوري الإيراني في لبنان إسناد هذا التطور إلى طهران، وتقديمه على أنه نتيجة مباشرة لضغوط إيرانية، إلا أن الكاتب والمحلل السياسي أحمد الأيوبي يرى عبر LebTalks أن الوقائع لا تعكس هذا المسار، إنما تؤكد أن الدولة اللبنانية كانت الطرف الذي تولى إدارة الاتصالات الفعلية لمنع تدهور الأمور نحو مستويات أكثر خطورة.
ويشير الأيوبي إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري، حتى عندما لجأ إلى التواصل مع الصحافي الأميركي المقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم يكن قادراً على تقديم أي ضمانات تتعلق بحزب الله، ما قد يعكس، بحسب قراءته، حجم التباعد القائم بين قرار الحزب وأي محاولة داخلية لضبط إيقاعه.
ويستعيد الأيوبي بدايات مرحلة الإسناد التي أعلنها الحزب لإيران، معتبراً أن بري لو كان يمتلك ضمانات فعلية من حزب الله لما شهدت الساحة إطلاق الصواريخ الستة في الأيام الأولى، خصوصاً أن برّي نفسه كان قد أكد في حينه استحالة دخول الحزب في مواجهة مباشرة.
ومن هنا، يعتبر أن رئيس المجلس لم يعد عملياً يمتلك القدرة على التفاوض باسم الحزب، رغم محاولاته المستمرة للظهور في موقع المبادر والمؤثر على خط المعالجات السياسية.
ضمن هذا المناخ، يقرأ الأيوبي تموضع بري الأخير على أنه انعكاس مباشر لشعوره بثقل العقوبات التي طالت شخصيات شديدة القرب منه، إلى درجة توحي بأن دائرة الاستهداف السياسي والمالي قد تقترب منه شخصياً، ما دفعه إلى الظهور بصورة الطرف الأكثر اندفاعاً نحو التهدئة.
ويذهب أبعد من ذلك بالقول إن بري خسر جزءاً كبيراً من صدقيته السياسية، مستنداً في ذلك إلى الرد العلني الذي صدر عن نائب حزب الله حسن فضل الله عندما أعلن رفض أي هدنة جزئية لا تشمل كامل الأراضي اللبنانية، لا الضاحية الجنوبية فقط، الأمر الذي اعتبره الأيوبي بمثابة رسالة مباشرة أسقطت عملياً أي محاولة لتكريس بري مرجعية تفاوضية باسم الحزب.
كما يتوقف عند موقف بري الرافض لإسقاط الحكومة في الشارع من قبل الحزب، معتبراً أن هذا التموضع بقي في إطار الاستهلاك السياسي أكثر منه تعبيراً عن قدرة فعلية على المواجهة، إذ يرى الأيوبي أن الحزب فقد جزءاً كبيراً من زخمه الشعبي والسياسي، وبات عاجزاً حتى عن حشد أعداد وازنة إلى الشارع، في وقت تتمتع الحكومة بغطاء عربي وغربي واسع غير مسبوق، إضافة إلى ما يصفه بحصانة سعودية واضحة أُبلغت إلى المسؤولين اللبنانيين عبر الأمير يزيد بن فرحان. ويختم الأيوبي بالتأكيد أن بري لا يبدو حتى اللحظة في موقع القادر على الانتقال الكامل إلى منطق الدولة، طالما لا يزال محكوماً بإيقاع الثنائية المرتبطة بالمشروع الإيراني، معتبراً أن كل التموضعات الأخيرة بقيت ضمن حدود إدارة الخسائر لا أكثر، وبرأيه فإن بري يحاول التموضع داخل هامش يخفف عنه الضغوط الخارجية والداخلية المتصاعدة، من دون الذهاب إلى مواجهة فعلية مع حزب الله أو الخروج من العباءة السياسية التي تحكم العلاقة بين الطرفين، ما يجعل أي رهان على تبدل جذري في موقفه أقرب إلى التمنيات منه إلى الوقائع.