شلل الدولة في الجنوب.. هل يعود زمن سعد حداد وأنطوان لحد؟

knise

لم يعد السؤال اليوم تقنياً أو عسكرياً بحتاً، بل وجودياً بامتياز، ماذا يعني أن ينسحب الجيش اللبناني من بلدات مسيحية في الجنوب، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع الهويات والذاكرة الجماعية؟ هل هو انسحاب تكتيكي تفرضه المعادلات السياسية، أم بداية فراغ خطير قد يعيد إنتاج سيناريوهات عرفها لبنان سابقاً، ودفع أثمانها باهظة؟

في هذا المشهد، يعود إلى الواجهة اسما سعد حداد وأنطوان لحد، ليس من باب استحضار التاريخ فقط، بل لطرح سؤال أكثر حساسية، هل يمكن، أو يجب، أن تتكرر تلك التجربة اليوم؟ بين من يراها خياراً اضطرارياً لحماية الأرض والناس في ظل غياب الدولة، ومن يعتبرها انزلاقاً خطيراً خارج الشرعية، ينفتح النقاش على واحدة من أكثر القضايا إشكالية في لبنان، حدود الدولة، دور الجيش، ومن يحمي الناس عندما تتراجع الدولة خطوة إلى الوراء.

في هذا السياق، أشار الخبير العسكري طوني أبي سمرا في حديث لـLebTalks إلى "أننا نتأثّر عندما نرى لبنانيين لم يتمكّن الجيش من حمايتهم، وأتخيّل اليوم موقف سعد حداد حينها، بين خيار البقاء تحت سلطة منظمة التحرير الفلسطينية وما ارتبط بها من ممارسات في عهد ياسر عرفات، وبين انقطاع خطوط الاتصال بينه وبين الدولة اللبنانية، نتيجة قيام ما يشبه "دولة عرفات" في المناطق التي كانت خاضعة لنفوذه خلال الحرب".

أضاف أنّ "قرار حداد بين الانفصال، والبقاء تحت راية بزّته العسكرية، لم يكن خياراً سهلاً، بل جاء نتيجة تمسّكه بالبقاء والدفاع عن المنطقة. واعتبر أنّه اتخذ موقفاً شجاعاً، ضحّى فيه بمسيرته العسكرية ليقف إلى جانب أبناء منطقته وأهله في الوطن".

ودعا أبي سمرا اللبنانيين إلى "قراءة هذا الموقف في سياقه، والنظر إلى حجم التضحية التي قدّمها حداد، إذ قبل أن يكون خارج إطار الشرعية، كما اتُّهم، في سبيل الدفاع عن أرضه وشرفه".

وتابع: "لو كنت مكانه، لاتخذت الموقف نفسه من دون أي تردّد، لأن ما نسمعه اليوم من أهالي الجنوب، ومنهم السيدة زينب سعد التي عبّرت عن موقف وطني واضح، هو ما يجب الدفاع عنه".

وشدد على أنّ "حداد دافع عن منطقة وشعب ينتمي إليهما، واضعاً نفسه في موقع المواجهة دفاعاً عنهم".

وقال أبي سمرا: "على الدولة اللبنانية، وعلى البطريركية المارونية، وعلى الأحزاب المسيحية، أن تفعل المستحيل للمحافظة على شعبنا وأرضنا في الجنوب، وألّا تُترك هذه المناطق وأهلها بمفردهم عرضة لأي محاولات من حزب الله قد تؤثر سلباً على بقائهم في أرضهم وتمسّكهم بجذورهم. المطلوب تفعيل الاتصالات مع المجتمع الدولي والفاتيكان، بهدف حمايتهم وإبعاد خطر خسارتهم لهويتهم وانتمائهم، والعمل على منع أي مسار قد يؤدي مستقبلاً، بعد توريطهم اليوم بحرب عبثية، إلى اتهامهم بالتعامل مع إسرائيل".

في المقابل، أوضح أبي سمرا أن "الجيش اللبناني يبقى خاضعاً للسلطة السياسية، ولا يمكنه الانسحاب أو البقاء في أي منطقة من دون قرار واضح صادر عنها. فالجيش يواجه معضلة حقيقية، إذا بقي في منطقة يوجد فيها حضور إسرائيلي، يتحول وجوده إلى موقف سياسي لا عسكري، وإذا لم تصدر توجيهات سياسية واضحة، لا يستطيع اتخاذ قرار بالبقاء. وهنا لا يمكن إغفال تجربة سعد حداد وأنطوان لحد، اللذين قبلا بالاتهامات والخروج عن إطار الشرعية، من أجل الدفاع عن أبناء مناطقهم ومنع جرّهم إلى مغامرات تهدد أرضهم وجذورهم. وطالما لا يوجد اليوم من يشبه هذه النماذج، وبغياب قرار سياسي واضح، فإن النتيجة ستكون حتماً الانسحاب".

وشدد على أن "الجيش اللبناني يمتلك القدرة على القيام بكل واجباته ومهامه. أما الدول العربية، بما فيها تركيا، فلا تستطيع، بالمعنى الكلاسيكي، خوض مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي. لذلك، فإن المزايدات التي تطال الجيش واتهامه بعدم القدرة على مواجهة إسرائيل تبقى غير منطقية. فالجيش قادر على فرض الأمن حيث ينتشر، ومتى نجح في ذلك، يصبح وجوده بحد ذاته عامل ردع، إذ إن شرعيته تكفي لتمكينه من أداء مهمته"، لافتاً إلى أن "لو تمكّن الجيش من حماية المناطق التي ينتشر فيها، ومنع وجود حزب الله فيها، لما تجرأ أحد على استهدافه، لا إسرائيل ولا غيرها. عندها يبقى تحت رايته وشرعيته، بعيداً من أي اتهامات بالعمالة، وإذا تعرّض لأي اعتداء، يكون قادراً على الدفاع عن نفسه. وليس المطلوب منه خوض حرب مع إسرائيل، بل فرض الأمن ضمن نطاق انتشاره ونزع السلاح غير الشرعي، وعندها فإن حلفاء لبنان، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، سيمنعون أي استهداف إسرائيلي له".

وتوجّه أبي سمرا إلى أهل الجنوب بنداء صادق: "تمسّكوا بأرضكم، وكونوا المثال الحي للوطنية، نحن في كسروان وبيروت وجبيل نستمد منكم القوة والانتماء والجذور. تشبّثوا بهويتكم، وأقولها بوضوح: لو كان بإمكاني التوجّه إلى الجنوب والبقاء معكم ليلاً نهاراً، لما ترددت لحظة واحدة، لأنكم تمثّلون جذورنا وجذور لبنان".

ومن المؤكد أن لا يمكن للبنان أن يستمر في الدوران داخل الحلقة نفسها، حيث يتحوّل غياب القرار السياسي إلى فراغ أمني، ثم إلى دعوات لإحياء تجارب ماضية بكل ما حملته من انقسامات وكلفة وطنية باهظة. إن استحضار نماذج سعد حداد وأنطوان لحد اليوم ليس مجرد نقاش تاريخي، بل مؤشر خطير على تراجع الدولة عن دورها الأساسي.

فإما أن تتحمّل الدولة مسؤولياتها كاملة، بقرار سياسي واضح يغطّي الجيش ويمكّنه من حماية كل شبر من الأرض وكل مواطن، وإما أن يُترك الناس مجدداً أمام خيارات قاسية، بين الخوف والاتهام والانكشاف. وبين هذين الخيارين، هل يجب إعادة التجربة؟ ولماذا وصلنا إلى لحظة يُطرح فيها هذا السؤال من جديد؟

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: