تنزلق الضربات الإسرائيلية نحو قلب البنية غير المرئية، حيث المال لا السلاح هو ما يحدد القدرة على البقاء، وحيث يُعاد رسم مسرح الاشتباك بعيداً من صخب الجبهات إلى صمت الحسابات والأرقام التي تختصر مصير منظمة حزب الله المحظورة.
ضمن هذا السياق، تتقدم المقاربة الاقتصادية كأداة ضغط مركزية، تستهدف مفاصل التمويل التي يقوم عليها الحزب، من مؤسسات الإقراض ذات الطابع الاجتماعي إلى الشبكات الخدماتية التي ترفده بالاستمرارية، وفي طليعتها منظومة "القرض الحسن" ومرافق مرتبطة بها حيث تتحول هذه البنى إلى أهداف مباشرة في معادلة تجفيف الموارد بدل استنزاف الميدان.
القراءة التي يقدمها العميد المتقاعد جوني خلف تذهب أبعد من توصيف تقني، إذ تلامس مرحلة فقدان السيطرة على الإيقاع العام حيث تتراجع قدرة الأطراف على ضبط الانحدار، فلا مسار تفاوضي يلوح في الأفق، ولا نية دولية لفرض إيقاع تهدئة في المدى القريب، الإدارة الأميركية تميل إلى ترك الوقائع تنضج ميدانياً، فيما ترفض إسرائيل أي نقاش تحت ضغط النار، الذي يفتح الباب أمام تصعيد يتغذى من ذاته.
في هذا المناخ، يتسع نطاق الاستهداف بحسب خلف ليطال كل مورد محتمل، من محطات الوقود إلى شبكات الصرافة والتعاونيات، حيث تُدرج هذه المفاصل ضمن بنية داعمة يُنظر إليها كامتداد وظيفي للتنظيم الأمر الذي يرفع منسوب المخاطر مع تآكل الفوارق بين ما هو مدني وما يُعتبر جزءاً من منظومة الدعم.
ويضيف، قرار الحكومة اللبنانية الصادر في الثاني من آذار يندرج ضمن هذا التحول، إذ لم يقتصر على ملاحقة النشاط العسكري غير الشرعي، إنما امتد إلى المجال المالي، في خطوة تعكس تبدلاً في المقاربة الرسمية، كما تفتح المجال أمام تقاطعات مع الضغوط الخارجية التي تسعى إلى محاصرة الحزب من بوابة الاقتصاد.
ويلفت خلف، إلى ان العقيدة الإسرائيلية تدفع بالمشهد نحو حافة الانفجار الداخلي، عبر تضييق الخناق إلى درجة تولد احتكاكات داخلية، وهو المسار الذي حاول رئيس الجمهورية جوزاف عون تجنبه مراراً عبر الدعوة إلى الفصل بين المواجهة الخارجية والاستقرار الداخلي، رهان بقي معلقاً كَوُن الحزب لم يلتزم بضبط إيقاعه في مرحلة بالغة الحساسية.
ويرى خلف، أن وتيرة العمليات مرشحة لتتصاعد أكثر، مع إشارات لا تخلو من رسائل تطال قطاعات حيوية كالكهرباء والمرافئ، ما يضع الدولة أمام اختبار قاس في قدرتها على حماية بنيتها الأساسية، في ظل ما يعرف بعقيدة "الدفاع المتقدم" التي تعتمدها إسرائيل حيث تُنقل المواجهة إلى عمق الخصم بدل انتظارها على الحدود.
ويخلص خلف بالتأكيد أن الضغط المالي سوف يعيد تشكيل المشهد برمته، وقد البلاد نحو حافة خيارات شديدة الخطورة، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الانهيار الاقتصادي، في مشهد مفتوح على احتمالات يصعب احتواؤها إذا ما استمر هذا المسار دون كوابح واضحة.