"كل ولادة تسبقها آلام".. الأب بشارة خوري لـLebTalks: مسيحيّو الجنوب يترجمون الفصح إيماناً وصموداً

eas

في لبنان، حيث تختلط أصوات القصف بصدى الصلوات، لا يبدو عيد الفصح هذا العام مجرّد مناسبة دينية عابرة، بل لحظة وجودية تختبر معنى الإيمان والبقاء. على تخوم النار في القرى الجنوبية، وتحديداً المسيحية، حيث لم تُطفئ الحرب بين إسرائيل وحزب الله جذوة الحياة، اختار الأهالي أن يبقوا.

لم تُرهبهم احتمالات الموت، لأن ما يحملونه أعمق من الخوف: إيمانٌ متجذّر، وانتماءٌ لا يُساوَم عليه. هنا، في هذه الأرض المثقلة بالتاريخ والوجع، يتجسّد معنى الفصح بأوضح صوره: عبورٌ يومي من الخطر إلى الرجاء، ومن القلق إلى الثبات، ومن الألم إلى معنى أسمى للحياة.

في السياق، أشار رئيس جامعة سيدة اللويزة الأب بشارة خوري في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "هذه أكثر سنة يمكن أن نفهم فيها المعنى الحقيقي للحرب"، موضحاً أن "يسوع المسيح عاش بشروطنا البشرية كاملة، مثلنا تماماً، ما أتاح له أن يبلغ القيامة بعد الموت".

وشدّد على أن "لا قيامة، ولا نهوض، ولا حياة حقيقية من دون حمل الصليب".

واعتبر أن "الكلام عن هذا الأمر قد يبدو سهلاً، لكنه في الواقع جوهر حياتنا اليومية"، مضيفاً: "لا شيء يُتوَّج بقيامة من دون المرور بأزمة أو صعوبة، فكل ولادة جديدة تسبقها آلام".

كما لفت الأب الخوري إلى "أنّنا يمكننا أن نعطي معنى روحياً للأزمة التي نمرّ بها بلبنان، من خلال التأمل في الدرس الذي أعطانا إياه يسوع المسيح. هذا الدرس يتمثّل في كيفية عبور الألم وتحويله إلى طريق يقودنا نحو الهدف".

ولكنه أكّد أيضاً أنه "لا يوجد شيء أو قانونٌ أو عرفٌ في العالم يمكن أن يبرّر الموت الذي نعيشه في بلدنا أو حتى يسمح به"، مشيراً إلى أن "كلما واجهتنا أزمةٌ في لبنان، ازداد تعلّق الناس بالدين، لأنه الوحيد القادر على أن يُجيبنا بالطريقة الصحيحة".

ثمّ تابع الأب خوري بالقول: "الإيمان لا يهتزّ في فتراتٍ كهذه، إلا عندما نحاول أن نأخذ منه فقط ما نحتاج إليه". أضاف أن "برأيه، سيعرف اللبنانيون قيمة تجذّر إيمانهم من خلال الأزمة الحالية، وخصوصاً على ضوء عيد الفصح".

وصوّب سهامه وسط حديثه إلى العيد، وقال: "الفصح في اللغة العبرية يعني العبور من حالةٍ إلى حالة، من العبودية إلى الحرية، ومن الشر إلى الخير".

أضاف: "يسوع جسّد هذا العبور بموته وبجسده، وهو المثال الأصدق الذي يمكننا أن نقتدي به اليوم لأن كل ما يحيط بنا، للأسف، يضجّ بالكذب".

أماّ عن دور الكنيسة في هذا الوضع، فأكّد الأب خوري أن "انطلاقاً من موقعي كرئيس لجامعة، لا يقتصر دوري على التعليم ومنح الشهادات، بل يتعدّاه إلى إعطاء معنى للقضية التي نعيشها".

وأردف أن "لبنان ليس بلداً قائماً فقط على شعاراتٍ وطنية أو على دستور، بل يقوم أيضاً على القيم التي تحملها الكنيسة وترعاها". وأشاد هنا بالبلدات المسيحية الجنوبية، مشدّداً على أن "المسيحيين الذين بقوا في الجنوب رغم الحرب، لم يُقدَّم لهم أيّ إغراء للبقاء، لكن إيمانهم المسيحي يجسّد قيمةً وطنيةً أساسية للثبات في أرضهم".

وتابع: "من هذا المنطلق، ومن إيماننا، نزداد تجذّراً في حياةٍ اجتماعيةٍ ناضجة، تقوم على احترام الآخر وإعطائه قيمته".

وعودة إلى العيد، فقال: "رسالة الفصح لم تتغيّر. عندما كان الهدف إلغاء مشروع الله في خلاص البشرية، كانت الأمور تسير في اتجاهٍ معاكس".

وختم الأب خوري بالقول: "لذلك، مهما تألّمنا، ومهما تعبنا، ومهما شعرنا باليأس، فالقيامة آتية. هذه هي رسالة الفصح، والله لن يتركنا".

هذا العام، الفصح في لبنان، ولا سيما في الجنوب، ليس طقساً يُحتفل به، بل حقيقة تُعاش. فكما عبر المسيح من الموت إلى القيامة، يَعبُر هؤلاء الناس كل يوم فوق جراحهم، متمسّكين بأرضهم، رافضين أن تتحوّل الحرب إلى قدرٍ يسرق هويتهم أو يكسر إرادتهم.

ففي بلدٍ أنهكته الأزمات، يقدّم مسيحيو الجنوب نموذجاً في الصمود: إيمان لا ينهار، وحضور لا يتراجع، وشهادة حيّة بأن القيامة ليست وعداً مؤجّلاً، بل فعل مقاومة يومي في وجه الموت.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: