كم ضحية بعد.. كي تستيقظ الدولة؟

07

يتكرّر المشهد نفسه في كل مرة، وكأنّ شيئاً لم يستخلص من التجارب السابقة. يتأخر تحرّك المسؤولين وبعض النواب في المطالبة بتعزيز الأمن، وفي الدفع نحو تفعيل دور الشرطة البلدية وتطوير قدراتها، رغم أنها جزء أساسي من الضابطة العدلية، وكان يفترض أن تكون في صلب الأولويات منذ البداية، لا أن تُطرح بعد وقوع الحوادث.

المشكلة لا تكمن فقط في التأخير، بل في غياب كامل للذهنية الاستباقية، وكأن الأمن في لبنان يدار دائماً بمنطق ردّ الفعل، لا بمنطق الوقاية. لا خطط واضحة، لا انتشار فعلي، ولا تفعيل جدي للأجهزة الموجودة أصلاً، وعلى رأسها الشرطة البلدية التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول داخل الأحياء، القادرة على الرصد المبكر والتدخل السريع قبل تفاقم أي وضع.

هذا التراخي لا يمرّ من دون كلفة، حين تغيب الدولة عن الشارع، يحضر التفلت. وحين تُترك الثغرات من دون معالجة، تتحول إلى مساحات مفتوحة لكل أشكال الفوضى. النتيجة واحدة في كل مرة: ضحايا أبرياء، صدمة عامة، ثم موجة تصريحات لا تغيّر شيئاً في الواقع.

الأخطر من ذلك أن هذا النمط أصبح شبه ثابت، ننتظر وقوع الحادثة، ننتظر أن يسقط ضحايا، ننتظر أن تتحول المأساة إلى قضية رأي عام، عندها فقط يبدأ الحديث عن الأمن، وعن ضرورة التشدد، وعن تفعيل الأجهزة. وكأن حياة الناس لم تعد كافية لتكون دافعاً للتحرك، بل يجب أن تُستنزف أولاً كي تتحرّك الدولة.

في المقابل، تبقى الشرطة البلدية، رغم دورها القانوني كجزء من الضابطة العدلية، مهمّشة أو غير مجهّزة كما يجب، لا من حيث الصلاحيات الفعلية ولا من حيث الإمكانات اللوجستية والبشرية. وهذا بحد ذاته خلل بنيوي، لأن الأمن لا يُبنى فقط عبر الأجهزة المركزية، بل يبدأ من الأحياء، من الرقابة اليومية، من الحضور الدائم الذي يمنع التفلت قبل أن يبدأ.

المؤلم أن هذه المطالب ليست جديدة، ولا معقّدة، بل هي من أبسط بديهيات إدارة أي دولة. ومع ذلك، تبقى مؤجّلة، وكأن المطلوب دائماً هو اختبار الأسوأ قبل اتخاذ أي خطوة. هذا الواقع يطرح مسألة المسؤولية بجدية أكبر، لأن الإهمال هنا لم يعد تفصيلاً، بل يتحوّل مع الوقت إلى شراكة غير مباشرة في النتائج.

في بلد يعيش على حافة الأزمات، لم يعد مقبولاً أن يبقى الأمن ملفاً مؤجّلاً أو مرتبطاً بردّات الفعل. المطلوب تحمّل المسؤوليات قبل وقوع الكارثة، لا بعدها. لأن الخسارة حين تقع لا يمكن تعويضها، ولا يمكن تبريرها، ولا يمكن القبول بأن تتحول إلى مجرد رقم يُضاف إلى سجل الإهمال المتراكم.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: