في سياق النقاش المتصاعد حول الدور السوري المحتمل في لبنان، برزت مجموعة من المعطيات والتحركات السياسية التي أعادت تسليط الضوء على موقع سوريا في التوازنات الإقليمية، في وقت تشهد فيه المنطقة مرحلة شديدة الحساسية بعد سلسلة من الحروب والتصعيدات المتتالية.
فقد طُرح اسم سوريا في أكثر من نقاش سياسي، خصوصاً بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تحدث فيها عن إمكانية أن تتولى دمشق مهمة التعامل مع حزب الله في لبنان، وهو ما فتح باب التأويلات حول الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في المرحلة المقبلة، ضمن سياق إقليمي أوسع يرتبط بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية والتفاهمات غير المستقرة في المنطقة.
ولا يمكن فصل هذا الطرح عن المشهد الإقليمي الأوسع، الذي شهد حرب إيران وإسرائيل العام 2025، وهي مواجهة عسكرية مباشرة استمرت من 13 إلى 24 حزيران، بدأت بهجوم إسرائيلي واسع على منشآت إيرانية تحت اسم عملية "الأسد الصاعد"، وردّت إيران بعملية "الوعد الصادق 3"، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة عبر ضربات على منشآت نووية إيرانية، وصولاً إلى وقف إطلاق النار.
وفي موازاة ذلك، كان "الحزب" قد تحوّل خلال السنوات الممتدة بين 2006 و2023 إلى عنصر أساسي في الاستراتيجية الإيرانية، بحيث بات يُنظر إليه كأحد أهم أدوات الردع و"الدرع" للبرنامجين النووي والباليستي الإيرانيين.
أما في لبنان، فقد شهدت الساحة تصعيداً كبيراً العام 2024 مع غزو إسرائيلي واسع للجنوب تلاه اتفاق لوقف إطلاق النار، لكنه بقي هشاً مع استمرار الخروقات. ومع دخول العام 2026، عاد القتال مجدداً على وقع توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية وردّ الحزب بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في ظل توسع رقعة الصراع الإقليمي.
وفي هذا السياق، يكتسب الطرح الأميركي حول سوريا بعداً إضافياً، خصوصاً أن العلاقة بين دمشق وبيروت كانت لعقود طويلة قائمة على وصاية سورية مباشرة ونفوذ أمني وسياسي واسع، بدأ منذ دخول القوات السورية إلى لبنان العام 1976 واستمر حتى العام 2005، وهي مرحلة لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة اللبنانية.
ومع الانسحاب السوري، دخلت العلاقة مرحلة جديدة، قبل أن تتعزز مجدداً خلال الحرب السورية العام 2011، حيث انخرط "الحزب" في القتال إلى جانب النظام السوري، ما عمّق الترابط بين الطرفين.
وفي المرحلة الحالية، ومع تولي الرئيس السوري أحمد الشرع السلطة، سعت دمشق إلى إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية، فيما نفى الشرع بشكل واضح أي نية للتدخل العسكري في لبنان، مؤكداً أن ما يتم تداوله في هذا السياق غير صحيح.
وأشار مصدر مقرب من "الثنائي الشيعي" عبر LebTalks أن القيادة السورية الجديدة تواجه تحديات داخلية كبيرة، أبرزها إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، إضافة إلى وجود مقاتلين أجانب ضمن تشكيلات مختلفة نشأت خلال سنوات الحرب، ما يجعل أي تدخل خارجي واسع أمراً بالغ التعقيد.
أضاف المصدر أن وفي المقابل، تبرز حسابات إقليمية معقدة، فإيران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تهديد يمسّ أحد أهم حلفائها، بينما تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة مزدوجة: إضعاف "الحزب" من جهة، وتجنب عودة سوريا كقوة إقليمية فاعلة من جهة أخرى.
وأوضح المصدر أنّ معالجة ملف سلاح الحزب لا تتم إلا في الداخل، من دون الاستعانة بأي طرفٍ خارجي، وتابع: "الرهان على الاقتتال لا يُجدي نفعاً، فيما الأهداف هي تحرير الأرض ورفض أي وصاية جديدة".
وأشار إلى أن الحزب يتفادى إثارة موضوع انخراط الإدارة السورية الجديدة ضده.
ورأى المصدر كما أن تركيا حذرت من توسع رقعة الصراع في ظل التوتر القائم مع إسرائيل، ما يعكس تداخل الملفات الإقليمية في الساحة السورية واللبنانية.
وبين المفاوضات الأميركية – الإيرانية، والتصعيد الميداني، والنقاش حول الدور السوري، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل غياب معادلات مستقرة حتى الآن، واستمرار إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة على أكثر من جبهة.