لماذا يفشل لبنان في مواجهة الحرب السيبرانية؟

cybersecurity

في ظلّ التصعيد الأخير في الهجمات السيبرانية التي استهدفت عدداً من المواقع الإلكترونية في لبنان، من بينها مواقع إعلامية بارزة ومواقع رسمية، عاد ملف الأمن السيبراني إلى الواجهة، كأحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية في المرحلة الحالية. هذه الهجمات، التي طالت مؤسسات إعلامية وسياسية، لم تكن مجرد حوادث تقنية عابرة، بل شكّلت مؤشراً واضحاً على هشاشة البنية الرقمية في لبنان، وغياب منظومة متكاملة قادرة على حماية الفضاء الإلكتروني من الاختراقات والاعتداءات المتكررة.

وفي هذا السياق، أوضح المتخصص في تكنولوجيا المعلومات عامر طبش أنّ ما حصل خلال الأيام القليلة الماضية يكشف بشكل صريح غياب إطار قانوني واضح ومتخصص لمعالجة الجرائم السيبرانية، مشيراً إلى أنّ القوانين الحالية لا تواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة، ما يضعف قدرة الدولة على الملاحقة والمحاسبة. وأضاف أنّ أي تحرّك قضائي في هذا المجال يبقى ضمن إطار العدالة الجزائية التقليدية، التي لا تملك الأدوات التقنية الكافية لتتبّع مصدر الهجمات أو تحديد هوية الجهات المنفذة بدقة، خاصة أنّ هذا النوع من الهجمات قد يُنفذ من خارج الحدود، ما يزيد من تعقيد عملية التحقيق.

وأشار طبش في حديث لموقع LebTalks إلى أنّه حتى في الحالات التي يتم فيها رصد الهجوم، لا يمكن الجزم بالجهة التي تقف وراءه، إذ قد تكون جهات دولية أو مجموعات منظمة تعمل من خارج لبنان، ما يطرح تحديات إضافية تتعلق بالتعاون الدولي وبالإطار القانوني العابر للحدود. ولفت إلى أنّه لا يمكن تأكيد ما إذا كانت هذه الهجمات قد انطلقت من داخل لبنان أو من خارجه، وهو ما يعكس حجم الثغرات الموجودة على مستوى الرصد والتحليل والتتبع.

إلى جانب ذلك، شدّد على أنّ لبنان يفتقر إلى استراتيجية وطنية واضحة للدفاع السيبراني، حيث لا توجد حتى اليوم خطة شاملة تنظم كيفية التعامل مع التهديدات الرقمية أو تحدد آليات الوقاية والاستجابة. كما أشار إلى غياب الشركات المتخصصة والبنى التحتية القادرة على دعم المؤسسات الرسمية في هذا المجال، ما يترك الوزارات والإدارات العامة مكشوفة أمام أي هجوم محتمل. واعتبر أنّ هذا الواقع يستدعي بشكل ملح تخصيص موازنات كافية للقطاع الرقمي، بما يتيح تطوير الأنظمة الإلكترونية وتعزيز الحماية، إلا أنّ هذا الملف لا يزال خارج أولويات القرار السياسي.

واستعاد طبش تجربة سابقة خلال جائحة كورونا، حين تعرّضت وزارة الصحة لهجوم سيبراني، مشيراً إلى أنّ تلك الحادثة شكّلت مثالاً واضحاً على ضعف الجهوزية، حيث لم يكن بالإمكان تحديد الجهة المنفذة أو محاسبتها، ما يعكس غياب الأدوات التقنية والقانونية اللازمة. واعتبر أنّ ما حصل آنذاك يتكرر اليوم، ما يدلّ على أنّ أي تطوير جدّي لم يُسجّل في هذا المجال منذ ذلك الوقت.

وفي مقاربة موازية، تطرّق طبش إلى البعد السياسي والإعلامي للهجمات، معتبراً أنّ الاعتراض على وسائل الإعلام أو على أداء أي مسؤول يجب أن يتم حصراً ضمن الأطر القانونية، سواء عبر القضاء أو من خلال المنابر الإعلامية، في ظلّ ما يكفله الدستور من حرية التعبير. وأكد أنّ اللجوء إلى محكمة المطبوعات أو إلى القوانين المرعية هو حق مشروع لجميع اللبنانيين، ولا يشكّل أي إشكالية في حال تمّ ضمن الأطر القانونية.

في المقابل، حذّر من خطورة اللجوء إلى أساليب الترهيب أو القمع أو الضغط غير القانوني، معتبراً أنّ هذه الممارسات تعيد لبنان إلى مراحل سابقة من تاريخه، ولا سيما خلال فترة الوصاية السورية، حين كانت الحريات الإعلامية مقيّدة، وتمّ إقفال مؤسسات إعلامية ومنع الصحافيين من التعبير عن آرائهم. وذكّر بما تعرّضت له بعض الوسائل الإعلامية في تلك المرحلة من تضييق وإغلاق، في إشارة إلى أنّ تكرار هذه الأساليب اليوم يعكس ذهنية لا تنسجم مع دولة القانون والمؤسسات.

ورأى أنّ ما يحصل حالياً من ضغوط وهجمات ومحاولات ترهيب لا يعكس قوة حقيقية بقدر ما يكشف عن ضعف في مواجهة الرأي الآخر ضمن الأطر الديموقراطية، مشيراً إلى أنّ بعض الجهات لا تزال تحاول فرض حضورها بوسائل غير قانونية، في وقت يفترض أن يكون الاحتكام إلى القضاء والقانون هو المسار الطبيعي لأي خلاف.

وختم طبش بالتأكيد أنّ المرحلة الراهنة تتطلب تحركاً جدياً وسريعاً لوضع استراتيجية وطنية متكاملة للأمن السيبراني، تشمل تحديث القوانين، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتدريب الكوادر المختصة، إضافة إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، والانفتاح على الشراكات الدولية في هذا المجال. كما شدّد على ضرورة تخصيص الموارد المالية اللازمة لضمان حماية المؤسسات الرسمية والإعلامية، ومنع تكرار الهجمات مستقبلاً، بما يحفظ استقرار لبنان الرقمي ويعزز ثقة المواطنين بالمنظومة الإلكترونية في البلاد.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: