في ظلّ التحوّلات السياسية والاقتصادية المتسارعة، يعود إلى الواجهة في لبنان النقاش حول جدوى بعض القوانين التي أُقرّت في سياقات تاريخية مختلفة، وفي مقدّمها قانون تجريم التواصل مع إسرائيل. وبين من يرى في هذا القانون ضرورة سيادية، ومن يعتبره عائقًا أمام مواكبة التطوّر، يبرز جدلٌ قانوني وسياسي واسع حول الحاجة إلى تحديث التشريعات بما ينسجم مع الواقع الحالي ومتطلبات الدولة الحديثة.
في هذا السياق، أشار المحامي مجد حرب في حديثٍ لـLebTalks إلى أنّ قانون تجريم كل من يتواصل مع إسرائيل أُقرّ عام 1955 في مرحلةٍ مختلفة، وأنّ المطالبة بتعديله أو إلغائه ما تزال قائمة لدى الجهات التي تطرح هذا النقاش، وكذلك لدى بعض الاختصاصيين وغيرهم. وكما جرت العادة، فإنّ الإبقاء عليه يُعدّ مقاربة غير واقعية. ومن هنا، فإنّ إلغاء هذا القانون يُعتبر ضرورة للبنانيين، بغضّ النظر عن توجّهاتهم السياسية، إذ وُضع في زمنٍ لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي موجودة، ولم تكن هناك معاملات عابرة للحدود (Cross-border transactions)، أي معاملات تتجاوز الإطار المحلي، ومع البلدان العربية التي تغيّر واقعها اليوم. كما لم يكن اللبنانيون يعملون ضمن شركات دولية على النحو الحالي، حيث باتت لهذه الشركات فروع في إسرائيل. وبالتالي، وبعيدًا عن السياسة، فإنّ هذا الأمر يُعدّ ضرورة اقتصادية، بل والأهم ضرورة قانونية.
وتابع: من هنا، لا يجوز أن يُضطرّ اللبناني، إذا كان يعمل في شركة لها فرع في إسرائيل، إلى الامتناع عن حضور اجتماع فيخسر عمله، أو أن يشارك فيه ثم يعود إلى لبنان ليُلاحَق أمام المحكمة العسكرية.
أضاف أنّ هذه المسألة تُعدّ ضرورة اقتصادية، سواء تحقق السلام أم لم يتحقق، وسواء حصل تطبيع أم لا. فالأولوية يجب أن تكون لتطوير القوانين بما يتماشى مع الحداثة، والتخلّي عن النظريات التي تُبقينا في الماضي، وعدم منح المحكمة العسكرية صلاحيات النظر في شؤون مدنيين، كرجال الأعمال الذين قد يتعرّضون في أي لحظة، عبر منصّات مثل إنستغرام وفيسبوك، أو من خلال طبيعة عملهم واجتماعاتهم، لمواقف قد تُفسَّر على أنّها تواصل مع مواطنين إسرائيليين.
وفي إطار مراجعة القوانين، وبالإضافة إلى قانون تجريم التواصل مع إسرائيل، قال إنّه يُطرح التساؤل حول ضرورة إعادة النظر في المحكمة العسكرية، سواء لجهة القضاة أو المسؤولين. وهنا لا بدّ من الوضوح: هناك عدّة مشاريع قوانين مطروحة، لكن لم يعد للمحكمة العسكرية مكان في النظام القانوني اللبناني إلا ضمن الشؤون العسكرية المباشرة، ولا ينبغي لها أن تنظر في القضايا المدنية مهما كان نوعها. وبالتالي، فإنّ تعديل القانون يجب أن يبدأ من هذه النقطة، أي حصر اختصاص المحكمة العسكرية بالشؤون العسكرية فقط، وعدم امتداده إلى القضايا المدنية، لا سيّما أنّ تاريخها لا يشجّع، حتى مع وجود قضاة أكفاء في الوقت الحالي.

وأردف أن التجربة أظهرت أنّ هذه المحكمة استُخدمت، بين عامي 1990 و2020، كأداة لقمع أشخاص لأسباب سياسية، من خلال التوقيفات الإدارية، وصولًا إلى ملاحقة صحافيين أمامها. وبناءً عليه، فإنّ الإبقاء على قانون منع التعامل مع إسرائيل بصيغته الحالية قد يؤدّي إلى ملاحقة أشخاص حتى بسبب منشور عبر "تويتر" أو مجرّد إبداء رأي.
وعلى بُعد يومين من الجولة الثانية من المحادثات بين لبنان وإسرائيل، يُطرح السؤال: هل يمكن أن تُثمر هذه المحادثات بحيث يشهد جيلنا نهاية الحروب بين البلدين، أو بين إسرائيل وحزب الله؟
وقال حرب: "نأمل أن يكون هذا الجيل آخر من يشهد استخدام لبنان كساحة صراع للآخرين. فمن الطبيعي أن تقع احتكاكات محدودة بين دولتين متجاورتين، لكن غير الطبيعي أن تتخذ جهة غير الدولة قرارات الحرب والسلم. وبالتالي، فإنّ المطلوب هو التخلّص من استغلال القضية الفلسطينية، لا كقضية بحدّ ذاتها، بل كأداة تُستخدم لفرض النفوذ داخل لبنان، مرورًا بسوريا وصولًا إلى إيران".
أما بالنسبة للدور الإقليمي، فيُطرح السؤال: هل لا تزال إيران تستخدم الملف اللبناني كسلاح ضمن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة؟ فأجاب حرب: "الواقع أنّها استخدمت الداخل اللبناني، بما فيه الشعب وحزب الله، كأداة ضمن استراتيجيتها. غير أنّ المسؤولية لا تقع عليها وحدها، بل أيضًا على الداخل اللبناني الذي سمح لنفسه بأن يكون بهذه الدرجة من التبعية. فالجميع يملك علاقات خارجية، لكن الفارق يكمن في القدرة على وضع حدود لهذه العلاقات. وللأسف، فإنّ حزب الله بلغ مرحلة خطيرة، ولا يزال مستمرًا في النهج نفسه".
وفي السياق، لفت مصدر دستوري عبر LebTalks إلى أنّه "في حال قُدِّم مشروع قانون من قبل الحكومة أو اقتراح قانون من قبل النواب بهدف إلغاء هذا القانون، فسيُحال حكماً إلى اللجان النيابية المختصّة. وهذه اللجان تُبدي رأيها، وتقدّم مطالعتها، وترفع تقريرها إلى الهيئة العامة، إلا أنّ القرار النهائي بإلغاء القانون يعود إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، وليس إلى اللجان. وأوضح أنّ إحالة المشروع إلى اللجان تُعدّ إجراءً شكليًا إلزاميًا يجب اتباعه واحترامه، فيما يبقى الحسم بيد الهيئة العامة".
وتابع: "أمّا لجهة الآلية الدستورية المطلوبة لإلغاء هذا القانون، فإنّ أي قانون لا يُلغى إلا بقانون. وبالتالي، إمّا أن تُعدّ الحكومة مشروع قانون لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، أو أن يتقدّم أحد النواب، أو مجموعة منهم، أو كتلة نيابية، باقتراح قانون لتعديله. وفي حال عدم تعديل هذا القانون ضمن إطار قانوني جديد يخالفه أو يناقضه، فإنه يبقى ساري المفعول إلى حين تعديله أو إلغائه بقانون آخر".
وأشار إلى أنّه "حتى في حال التوصّل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، فإنّ هذا القانون يبقى قائمًا ما لم يُلغَ بقانون جديد. فمجرد الوصول إلى اتفاقية سلام لا يعني أنّ القانون قد أُلغي حكماً. وعليه، لا بدّ من تقديم اقتراح قانون أو مشروع قانون من الحكومة، على أن يُعرض على مجلس النواب بهيئته العامة للتصويت عليه وإقرار إلغائه. أمّا الإلغاء الحكمي أو التلقائي أو العشوائي، فهو غير قائم على الإطلاق ولا يمكن الأخذ به بأي شكل من الأشكال".
في المحصّلة، يبقى تعديل أو إلغاء هذا القانون مسألة تخضع للأصول الدستورية والآليات التشريعية الواضحة، بعيدًا من أي مقاربات عشوائية أو آنية. وبين الاعتبارات القانونية والاقتصادية والسياسية، يبقى القرار النهائي بيد المؤسسات الدستورية، في وقتٍ يواجه فيه لبنان تحدّي تحقيق التوازن بين الحفاظ على سيادته ومواكبة التحوّلات التي يفرضها العصر.