في لبنان، لم يعد المشهد يقتصر على الفوضى الأمنية أو تعدّد مراكز القرار، بل بات يتجاوز ذلك إلى قلب المفاهيم نفسها: مَن يطالب بالأمن يتَّهم، ومَن يخرق الأمن يحمى أو يبرَّر. هذا ليس توصيفاً مبالغاً فيه، بل واقع يتكرّس يوماً بعد يوم في ظل غياب واضح للدولة وتراجع دورها الفعلي، حيث تختلط المعايير وتضيع الحدود بين ما هو مشروع وما هو مرفوض.
طالب النائب فؤاد مخزومي بأن تحكِم الدولة قبضتها الأمنية في أحياء بيروت وخارجها، وأن تفعّل دور الأجهزة الاستخبارية، كي لا يتحوّل كل حي إلى ساحة صيد مفتوحة. طرحه لم يكن استثنائياً ولا سياسياً ضيقاً، بل يندرج في صلب وظيفة الدولة التي يفترض بها حماية المواطنين، وضبط الأمن، ومنع تحويل المناطق السكنية إلى مساحات مفتوحة لأي نشاط خارج عن القانون أو لأي صراع يُفرض على الناس من خارج إرادتهم.
لكن ما حصل كان معاكِساً تماماً. لم تُتخذ إجراءات جدية، ولم تظهر أي مؤشرات على تحرّك فعلي يوازي حجم التحذير، وكأنّ المطلوب هو تجاهل الخطر لا مواجهته. بل تحوّل النقاش من الأمن إلى التخوين، وجرى توجيه تهمة التجسّس إليه من محور الحرس الثوري الإيراني، في مشهد يعكس خللاً عميقاً في ترتيب الأولويات، حيث يستهدف الصوت الذي يطالب بالدولة بدل أن يدعَم، ويُقمع أي طرح يضع الأمن في مقدمة الاهتمامات.
أما الدولة، فاستمرّت في نمطها التقليدي، بيانات تصدر عند كل حادثة، مواقف إعلامية لامتصاص التوتر، ثم غياب شبه كامل على مستوى التنفيذ. هذا النمط لم يعد مجرد تقصير، بل أصبح نهجاً قائماً بحد ذاته، يُبقي الأمور في دائرة الاحتواء الشكلي من دون أي تغيير فعلي على الأرض. وبين الخطاب والتطبيق، تتآكل هيبة الدولة تدريجياً، ويترسّخ شعور عام بأن لا جهة قادرة على الإمساك بالوضع.
هذا الفراغ لم يبقَ بلا نتائج، بل سمح بتمدّد عناصر الحرس الثوري الإيراني وحزب الله بين الأحياء السكنية، مستفيدين من غياب الرقابة والقرار الحاسم. ومع الوقت، لم يعد وجودهم استثناءً، بل تحوّل إلى واقع مفروض، يضع المدنيين في قلب أي مواجهة محتملة، ويجعلهم الحلقة الأضعف في معادلة لا يملكون فيها أي قرار.
تراكم هذا الواقع أدى إلى سقوط ضحايا أبرياء، وإلى تكرار الحوادث في أكثر من منطقة، ما أكد أن الخطر لم يعد محصوراً أو ظرفياً، بل بات شاملاً ومفتوحاً على كل الاحتمالات. لبنان تحوّل إلى مساحة مكشوفة، تفتقر إلى الحد الأدنى من الضبط، فيما المواطن يُترك لمواجهة مصيره في ظل تراجع دور المؤسسات وعجزها عن القيام بأبسط واجباتها.
المعضلة لم تعد فقط في وجود سلاح خارج إطار الدولة، بل في منظومة كاملة تعيد صياغة المفاهيم، فتُحوّل المطالبة بالأمن إلى تهمة، وتمنح الغطاء لمن يفرض واقعاً بالقوة. هذا الخلل يضرب أساس فكرة الدولة، ويُضعف الثقة بأي إمكانية لاستعادة الاستقرار، ويجعل كل محاولة لإعادة بناء السلطة مجرّد خطوة شكلية ما لم تُرفق بإرادة حقيقية للتغيير.
في ظل هذا المشهد، يصبح تثبيت بديهيات الدولة ضرورة لا تحتمل التأجيل، حيث يكون الأمن حقاً طبيعياً لكل مواطن، وتكون الأجهزة الأمنية في خدمة الوطن وحده، ملتزمة بالقانون، وقادرة على فرضه من دون استثناء أو ازدواجية. لأن استمرار هذا الواقع لا يعني سوى مزيد من الفوضى، ومزيد من الخسائر التي يدفع ثمنها اللبنانيون وحدهم، في بلد بات يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى قرار واضح يعيد الاعتبار للدولة ودورها.