في لبنان، لا يحتاج سعر الصرف إلى قرار رسمي كي يتحرك، يكفي أن تتبدّل الظروف حتى يبدأ بالتأرجح من جديد. ومع تصاعد الضغوط الناتجة عن الحرب، وتراجع تدفّقات الدولار من الخارج، مقابل ارتفاع الإنفاق الحكومي واتساع الفجوة المالية، يعود السؤال الأهم إلى الواجهة: هل لا يزال مصرف لبنان قادراً على ضبط الاستقرار النقدي، أم أن البلاد تقترب من لحظة فقدان السيطرة على سعر الصرف؟
فبين احتياطات تتآكل ببطء، واقتصاد يعمل تحت ضغط الاستنزاف اليومي، تبدو أدوات السياسة النقدية أكثر محدودية من أي وقت مضى. وفي هذه المعادلة الدقيقة، لا يعود "تحرير سعر الصرف" مجرّد نقاش تقني، بل احتمالاً قد يُعيد رسم المشهد الاقتصادي بأكمله، في بلد يعيش أصلاً على حافة التوازن.
في السياق، أشار أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "المصرف المركزي يلجأ في العادة إلى الاحتياطي من العملات الأجنبية في حال وجود ضغط على الليرة اللبنانية"، مؤكداً أن "في الدرجة الأولى، المصرف المركزي يمتلك هدفاً أساسياً وجوهرياً، يتمثّل في الحفاظ على النقد، وذلك وفقاً للمادة 70 من قانون النقد والتسليف".
أضاف عجاقة أن "المصرف المركزي يهدف أيضاً إلى حماية الاقتصاد، ما يدفعه أحياناً إلى ضخّ السيولة في السوق، والتي قد يكون مصدرها العملات الأجنبية".
ولكن لفت في الوقت عينه إلى أنه "هناك أيضاً أسباب أخرى تدفعه إلى ضخّ أموال من احتياطياته، مثل تمويل الاستيراد وتأمين رواتب القطاع العامّ منذ بداية الأزمة في لبنان"، موضحاً أن "مصرف لبنان يعمل كذلك على سحب الليرة من السوق بهدف الحفاظ على استقرار النقد، إذ تقوم الآلية الحالية الدقيقة على سحب الليرة مقابل ضخّ الدولارات بنسبة محدّدة، على أساس أن تعود هذه الدولارات لاحقاً إلى المصرف المركزي عبر قنوات أخرى".
وأفاد عجاقة بأن "مصرف لبنان أصدر بياناً أو توضيحاً يشير فيه إلى أنه يعمل بالتعاون مع الحكومة من أجل الحفاظ على الاستقرار النقدي"، مشدّداً على أن "هذا يعني أنّ الاستقرار سيبقى قائماً حتى الآن، وأنه في حال اضطرار البنك المركزيّ إلى ضخّ الدولارات في السوق من احتياطياته، سيقوم بذلك بالتوازي مع سحب الليرة للحفاظ على مستواها".
وتابع: "لكن رواتب القطاع العامّ التي تبلغ 250 مليون دولار أميركي، هي مقوّمة بالليرة. ولتفادي المضاربة عليها، طلبت الحكومة من مصرف لبنان دفع هذه الرواتب بالدولار بعد تحويلها على سعر صرف 89,500"، مشيراً إلى أن "هذه الدولارات يؤمّنها مصرف لبنان، ما يعني وجود إنفاق بالدولار بشكل أو بآخر".
كما قال إن "تكلفة التعاميم 166 و158 على مصرف لبنان تبلغ نحو 200 مليون دولار، إلى جانب 100 مليون دولار مخصّصة للإنفاق الحكومي".
وهنا، أوضح عجاقة أن "المشكلة الأساسية تكمن في الاستيراد، إذ يستورد لبنان بما يقارب ملياراً ومئة وخمسين مليون دولار. والمعروف في النظام المصرفي أنه في حال تجاوزت الدولارات نسبة 1% من الودائع يتمّ إيداع هذه الدولارات لدى المركزي، وتبقى هذه الدولارات ملكاً للمصارف".
تابع: "بالتالي كان يتمّ تمويل الإستيراد من هذه الدولارات أو من حسابات المصارف في الخارج. إلا أنه ومع أزمة المصارف الحالية وفقدان الثقة وتفشّي اقتصاد النقد (الكاش)، لم يعد المصرف المركزي يموّل الاستيراد كما في السابق بل بات يساهم بجزء محدود فقط"، مذكّراً بأن "خلال الأزمة، كان المصرف المركزي يؤمّن الدولارات لاستيراد المحروقات والمواد الغذائية والأدوية، قبل أن يتخلّى كلياً عن هذا الدور لاحقاً".
ثمّ تطرّق عجاقة إلى مسألة الأدوات المتوفرة لدى البنك المركزي لتأمين الدولارات، قائلاً: "في السابق، كان لدى مصرف لبنان احتياطيات هائلة ناتجة عن الودائع والاستثمارات، إضافة إلى ودائع المصارف في المركزي".
وتحدّث هنا عجاقة عن الأزمة قائلاً: "عندما بدأت الأوضاع تشحّ، نشأ سوق موازٍ في البلد خارج إطار المصارف والبنك المركزي، يُقدَّر بحوالي 7 مليارات دولار. وأدّى وجود هذا السوق إلى دفع مجموعة العمل المالي الدولية إلى إدراج لبنان على اللائحة الرمادية، ما ضيّق حركة دخول الدولار إلى البلاد".
كما قال: "ولم يعد المصرف المركزي، في وضعه الحالي، قادراً على الاستدانة من الخارج، بعدما أعلنت حكومة حسان دياب تعثّر الدولة في العام 2020، كما توقّفت المصارف عن استقبال الودائع، وبالتالي لم تعد تودِع عملات أجنبية لدى المصرف المركزي".
وكشف عجاقة عن أن "بالنسبة للمداخيل الحالية المتاحة لدى مصرف لبنان، لم يعد يمتلك سوى محفظة مالية من أدوات مالية أجنبية (Foreign Securities). وتؤمّن هذه المحفظة كميّة معيّنة من الدولارات، غير كافية لتغطية كامل حاجاته".
أمّا في ما يخصّ الوضع الحالي، فأكّد أن "مصرف لبنان يقوم بشراء الدولارات من السوق، أو يلجأ إلى احتياطاته الإلزامية، أو يعتمد على الضرائب والرسوم التي تستوفيها الحكومة بالدولار أحياناً"، مُنبّهاً من أن "هذه الموارد تبقى محدودة جدّاً، إذ إن مصرف لبنان يعمل كل يوم بيومه". وبهذا شدّد على أنه "لا توجد الآن أي استثمارات أو ودائع طويلة الأجل لتعزيز احتياطاته، ما يجعل أدوات البنك المركزي محدودة".
واعتبر عجاقة أن "لو لم تعلن حكومة حسان دياب عن تعثّر الدولة، لكان المصرف المركزي قادراً على امتلاك خيارات أوسع، وأبرزها الحصول على قروض من الأسواق العالمية"، موضحاً أن "هذا الأمر بات اليوم مستحيلاً، إذ لا يُقرض أحد دولة أو شركة في بلد أعلن عن تعثّره أمام النظام المالي العالمي. لذلك مصرف لبنان يتعامل باللحم الحيّ".
وصوّب عجاقة سهامه إلى المسألة لا سيّما الأكثر تداولاً في الآونة الأخيرة، وهي احتمال تحرير سعر الصرف وارتفاعه بشكل هائل.
فأوضح أوّلاً أن "تحرير سعر الصرف هو قرار حكومي بإمتياز ولا يمتلك المصرف المركزي أي كلمة في هذا الأمر. إلا أنه تقنياً، قد يؤدّي شحّ الدولار إلى توقّف مصرف لبنان عن ضخّ الدولارات وشراء الليرات من السوق بهدف الحفاظ على قيمة الليرة"، مشيراً إلى أن "من اللحظة التي يتّخذ فيها مصرف لبنان قرار التوقّف عن التدخّل في السوق، كما حصل في أوائل تسعينيات القرن الماضي، سيتمّ ضخّ كميات كبيرة من الليرات، مثلاً لتمكين العاملين في القطاع العام من تقاضي رواتبهم بالليرة اللبنانية، ما قد يؤدّي إلى ارتفاع سعر الصرف".
وأكّد في هذا السياق أن "في حال تمّ تحرير سعر الصرف، تقنياً، لا يمكن تحديد سقف له، وكل الأرقام التي يتمّ تداولها، مثل 300 ألف و500 ألف، تبقى تقديرات لا تختلف عن غيرها، لأن الكلمة ستكون للمضاربة كما حصل في بداية أزمة العام 2019".
كما اعتبر أن "في علم الاقتصاد، لا يمكن الحصول على ضمانات لعدم تحرير سعر الصرف، إلا في حال توفّر دعم من صندوق النقد الدولي، ووجود ضمانة بعدم قيام مصرف لبنان بتمويل الدولة، إلى جانب تنفيذ إعادة هيكلة للقطاع المصرفي بما يُعيد الثقة"، مشدّداً أن "من دون توافر هذه الشروط الثلاثة، لا يمكن ضمان استقرار سعر الصرف".
وخلال حديثه لفت عجاقة إلى عوائق الإنفاق الحكومي وإيرادات الدولار، قائلاً إن "ارتفاع حجم الإنفاق الحكومي وتراجع تدفّقات الدولار يشكّلان خطراً حقيقياً".
وأوضح أنه "عندما تمّ تثبيت سعر الصرف على 89,500، كانت الفكرة تقوم على أن يدفع المواطن الضرائب بالليرة اللبنانية، التي يشتريها من مصرف لبنان مقابل دولارات يتمّ دفع رواتب القطاع العام بها وتمويل الإنفاق الحكومي. أمّا الليرة التي تحصل عليها الدولة، فيتمّ إيداعها في الحساب رقم 36 التابع للحكومة على أن يقوم المركزي ببيعها مجدّداً للذين يدفعون الضرائب وهكذا دوليك، وهو ما يُعرف بمبدأ الـ "jeu à somme nulle".
وأشار إلى أن "في الوقت الحالي تغيّرت الظروف، إذ ارتفع الإنفاق وتراجعت تدفّقات الدولار"، مؤكداً أن " في هذه الحالة، يُعدّ ارتفاع حجم الإنفاق الحكومي العامل الأخطر".
وبرّر عجاقة موقفه بالقول: "الآلية السابقة كانت كافية لتغطية الإنفاق، إلا أنّ هذا الإنفاق توسّع بسبب الحرب، في ظل غياب الإيرادات، ما يشكّل خطراً كبيراً على سعر الصرف".
أمّا عن تراجع تدفّقات الدولار إلى الدولة اللبنانية، فقال إنه "يؤدّي إلى استنزاف تدريجي يضعف قدرة المصرف المركزي، لكنه لا يسبّب انهياراً فورياً للعملة. وحتى الآن، لا يزال لدى مصرف لبنان نحو 11.55 مليار دولار".
كذلك رأى أن "الإنفاق يبقى العامل الأكثر خطورة مقارنة بتدفّقات الدولار، نظراً لتأثيره المباشر والأشدّ على سعر الصرف".
وبهذا، شدّد أن "الاستقرار الذي نعيشه حالياً هو بمثابة "شراء للوقت".
فبحسب عجاقة "الحفاظ الفعلي على الاستقرار والتوازن يتطلّب نشاطاً سياحياً فعّالاً خلال فصل الصيف، بما يساهم في زيادة تدفّقات الدولار، إلا أنّ هذا الأمر لا يزال غير مضمون حتى الآن بسبب الحرب القائمة، التي يُعدّ انتهاؤها شرطاً أساسياً أيضاً لتحقيق الاستقرار".
كما رأى أن "التوازن يتطلّب عودة تحويلات المغتربين، لا سيّما في دول الخليج، إلى مستوياتها السابقة، والتي تراجعت بدورها نتيجة التوترات في المنطقة".
وتابع: "الأمر يستوجب أيضاً إيجاد حلّ لمشكلة الإنفاق الحكومي، على غرار القرار المُتّخذ في الولايات المتحدة، حيث يتمّ في حال وقوع أزمة مشابهة اعتماد سياسة الـShutdown، أي إقفال مؤسسات الدولة ووقف إنفاقها موقتاً إلى حين التوصّل إلى حلّ على مستوى السلطة التشريعية. أمّا في لبنان، ففي حال غياب التمويل، يتمّ اللجوء إلى فتح اعتمادات من خارج الموازنة، على أن يتمّ لاحقاً تشريع ما تمّ إنفاقه عبر هذه الاعتمادات".
وختم عجاقة حديثه بالتحذير من أن "في حال عدم معالجة مسألة الإنفاق الحكومي، فقد يؤدّي ذلك إلى نشوء أزمة".
في المحصّلة، يبدو أن استقرار سعر الصرف لم يعد قائماً على أسس متينة بقدر ما هو نتيجة توازن هشّ قابل للاهتزاز عند أي صدمة إضافية. فمع تضاؤل الأدوات المتاحة أمام مصرف لبنان، واستمرار الضغط الناتج عن الإنفاق المرتفع وتراجع تدفّقات الدولار، يتحوّل الحديث عن "تحرير سعر الصرف" من احتمال نظريّ إلى سيناريو واقعيّ قد يُفرَض بفعل الوقائع لا القرارات. وبين "شراء الوقت" وتأجيل الانفجار، يبقى المسار واضحاً: من دون إصلاحات جدّية وضبط فعلي للإنفاق، فإن الاستقرار الحالي قد لا يصمد طويلاً.
