كتب جورج ابو صعب:
مما لا شك فيه أن مضيق هرمز يبقى شرياناً اقتصادياً حيوياً للعالم، ومعبراً لنحو 20% من النفط والغاز العالميين. إلا أن التعمّق في التحليل الجيوسياسي حيال مسألة المضيق يقودنا إلى استنتاجات وحقائق لا تُرى، كما يُقال، بالعين المجرّدة، بل بعدسة تحليلية أوسع تقودنا إلى نتائج تعاكس كثيراً من السرديات الكارثية، خصوصاً بالنسبة إلى دول الخليج.
وانطلاقاً من هذه المقاربة، نسلّط الضوء على الآتي:
أولاً: لم يبقَ لإيران أوراق ضغط فعلية سوى هرمز، إلا أن الأميركي عاد وانتزع منها هذه الورقة عبر فتح المضيق ومحاصرة الموانئ الإيرانية. وكانت طهران ترمي، من وراء استخدام ورقة مضيق هرمز، إلى إفهام الدول الكبرى بأنها القادرة على التحكم بمسارات الطاقة، ليس فقط كدولة منتجة، بل أيضاً كدولة قادرة على الإمساك بالممر البحري الأهم في المنطقة.
ثانياً: قبل حرب الولايات المتحدة على ايران، كان الاقتصاد العالمي يعيش حالة تخمة في موضوع النفط، حيث تدنّى سعر برميل النفط إلى أقل من 60 دولاراً، وكانت مخازن الخليج ممتلئة في أسواق آسيا وأوروبا وأميركا. فاليابان تمتلك احتياطياً يكفيها 250 يوماً، والصين تمتلك احتياطياً يكفيها نحو 180 يوماً، فيما تملك أميركا حوالى 400 مليون برميل احتياطي، فضلاً عن إنتاجها المحلي الذي يكفيها لأكثر من ستة أشهر، من دون أن ننسى فنزويلا.
فالأسواق العالمية، إذاً، كانت في حالة تخمة نفطية، ما يعني أن المخزونات الاستراتيجية بدأت تنخفض تدريجياً، ومعها ترتفع أسعار البرميل، كما يحصل حالياً. ومن هنا، تبرز الفرصة الحالية لدول الخليج: إذ إن أي حصار أو إقفال لمضيق هرمز يتيح لها تصريف مخزوناتها المتراكمة في العالم خارج المنطقة، وبيع البرميل بأسعار مرتفعة تعود بالفوائد على تلك الدول، من دون الحاجة إلى تصدير أي برميل من موانئ المنطقة.
ثالثاً: بنَت السعودية منذ العام 1980 خط أنابيب من الشرق إلى الغرب، وصلت طاقته الإنتاجية القصوى إلى سبعة ملايين برميل يومياً، وهو خط محصّن نسبياً ضد الضربات العسكرية، بحيث يمكن إصلاح أي عطل فيه خلال ساعات ومن دون تأخير كبير.
فالرياض تُعدّ من الرابحين حتى الآن من أزمة مضيق هرمز، فضلاً عن الإمارات العربية المتحدة مع خط الفجيرة الداخلي، رغم كونه أقرب إلى إيران وأقل أماناً من الخط السعودي.
رابعاً: أثبتت التجربة الأخيرة من الحرب على إيران أن أمام دول الخليج خيارين: إما أن تكون مجرد منتجين للطاقة، وهذا أمر مفروغ منه، وإما أن تكون منتجين ومتحكمين بمسارات الطاقة العالمية في آن واحد.
وبالتالي، لا ينبغي لأي دولة خليجية أن تدفع أي رسوم لإيران لو عادت وحاولت الاستيلاء على المضيق في حربها ضد الأميركيين والإسرائيليين. فالاستغناء عن مضيق هرمز خليجياً ممكن، وبإمكان السعودية أن تفيد دولاً مثل قطر والكويت والبحرين ببدائل عملية عن المضيق.
وبإمكان المملكة ودول الخليج إعادة رسم خرائط الطاقة العالمية ومساراتها، وتثبيت استقرارها في محيطها الجيوسياسي كاملاً بعد الحرب الإقليمية الحالية، وإعادة رسم طرق التجارة العالمية بحيث تصبح بيد الخليجيين.
إن إيجاد بدائل للتجارة العالمية ليس أمراً غريباً عن دول الخليج، وإقفال مضيق هرمز لا يضر بها فعلياً، بل قد يمنحها حتى حق فرض رسوم أكبر على إنتاجها ومساراتها البديلة.
فإقفال المضيق، لو عاد وحصل، قد يأتي لمصلحة دول المنطقة، ويعيد يد التحكم بالتجارة الدولية والطاقة إلى الخليجيين، وعلى رأسهم السعودية.