هل تتّخذ الدولة قرار حظر "الحزب" سياسياً؟

0

ما يحصل في لبنان اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري عابر أو تبادل رسائل قوة بين أطراف خارجية وداخلية، بل إعادة صياغة فعلية للمعادلات على الأرض وفي السياسة على حد سواء. الحدود بين المواجهة المباشرة وإعادة تشكيل النفوذ السياسي لم تعد واضحة، والقرارات التي تُتخذ في هذه المرحلة ستحدد شكل الدولة وقدرتها على التحكم بمستقبلها.

في هذا المشهد، لا يكفي النظر إلى حجم الأسلحة أو مواقع السيطرة، بل يجب قراءة الرسائل المبطنة التي يرسلها كل طرف، وفهم أن كل خطوة على الأرض تحمل انعكاسات سياسية واجتماعية بعيدة المدى. لبنان اليوم على مفترق طريق، حيث يمكن للتحركات الدقيقة والسياسات المدروسة أن تحول اللحظة إلى فرصة لإعادة التوازن، فيما أي خطوة خاطئة قد تفتح الباب أمام مواجهة طويلة ومرهقة، تهدد استقرار البلاد وتزيد الانقسامات تعقيداً.

أشارت مصادر ديبلوماسية غربية لموقع LebTalks إلى أن هناك توجهاً دولياً متزايداً للفصل بين استهداف حزب الله والدولة اللبنانية، وسط قناعة بأن أي عملية عسكرية إسرائيلية واسعة قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

أضافت المصادر أن واشنطن تدرس بجدية الضغط على إسرائيل للحد من عملياتها العسكرية، مقابل دعم الجيش اللبناني وتمكينه من توسيع انتشاره ونزع سلاح الحزب تدريجياً، بالتوازي مع مسار سياسي يهدف إلى تقليص دوره داخل مؤسسات الدولة.

وكشفت المصادر عن أن من بين الطروحات المطروحة حالياً، ضمانات أميركية بعدم تحوّل أي تقدم عسكري إسرائيلي إلى احتلال دائم، مقابل خطوات لبنانية تشمل حظر الأنشطة الاقتصادية لحزب الله والحد من مشاركته السياسية، ما قد يمهّد لاتفاق أمني أوسع وربما فتح الباب أمام مسار تطبيعي مستقبلي.

كما لفتت إلى أن التقديرات الأميركية تعتبر أن الضربات العسكرية الإسرائيلية، رغم تأثيرها، غير كافية للقضاء على حزب الله، إذ يمكن إعادة بناء ترسانته بسرعة واستبدال قياداته، ما يعني أن الحل العسكري وحده محدود النتائج.

أضافت المصادر أن هناك تقديراً إيجابياً داخل دوائر القرار الغربية لأداء الجيش اللبناني، خصوصاً بعد ضبط آلاف الصواريخ واستعادة السيطرة على مرافق حساسة مثل مطار بيروت، في مؤشر على إمكانية البناء عليه كبديل فعلي على الأرض إذا توفّر له الدعم الكافي.

وشددت على وجود تحوّل داخلي لبناني نادر، يتمثل بارتفاع مستوى التأييد السياسي والشعبي لنزع سلاح حزب الله، إلى جانب تراجع ملحوظ في حدّة الخطاب المعادي لإسرائيل، وطرح أفكار كانت تُعدّ سابقاً محرّمة، مثل الحوار المباشر أو حتى السلام.

وفي المقابل، حذرت المصادر من أن التصعيد الإسرائيلي وخطاب التهديد بتدمير لبنان أو إلغاء اتفاقات قائمة قد يقوّض هذا التحوّل الداخلي، ويعيد توحيد الشارع اللبناني خلف حزب الله بدل إضعافه.

وختمت بالإشارة إلى أن هناك قناعة متزايدة بأن الفرصة الحالية "نادرة"، إما استثمارها سياسياً لتقليص نفوذ حزب الله ضمن إطار الدولة، أو خسارتها عبر التصعيد العسكري الذي قد يكرّس جبهة مفتوحة طويلة الأمد في لبنان.

المشهد اللبناني الراهن يفرض على الجميع أن يفكروا خارج إطار القوة وحدها. لبنان يقف أمام لحظة مفصلية، حيث الخيارات لم تعد محصورة بين مؤيد ومعارض، بل بين مسار يتيح للدولة استعادة زمام المبادرة وإعادة ترتيب أولوياتها، وآخر يكرّس واقع الاشتباك المستمر ويحوّل البلد إلى ساحة صراع دائم.

ما يُتخذ الآن من قرارات لن يكون مجرد تدبير مرحلي، بل سيترك بصماته على السنوات المقبلة، مؤثراً في السياسة الداخلية، والتوازنات الإقليمية، ومستقبل العلاقة مع الأطراف الإقليمية والدولية. لبنان، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى رؤية واضحة، قيادة حازمة، وقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص حقيقية، قبل أن تتحول اللحظة النادرة إلى فقدان السيطرة على المصير.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: