في ظلّ التصعيد المستمر في جنوب لبنان، ووسط ضبابية المشهد الإقليمي، تتكثّف التحركات الديبلوماسية في الكواليس، في محاولة لفتح نافذة نحو التهدئة. وبينما تتراوح هذه الجهود بين اتصالات تمهيدية واجتماعات على مستوى السفراء، يبرز تساؤل أساسي حول ما إذا كانت المنطقة تقف فعلاً على أعتاب مفاوضات جدّية، أم أنّها لا تزال في مرحلة جسّ النبض وتبادل الرسائل السياسية.
وفي هذا السياق، كشف مصدر ديبلوماسي غربي مطّلع لـLebTalks عن أنّ ما يحدث حالياً لا يمكن اعتباره مفاوضات رسمية حتى الآن، بل يندرج ضمن إطار مباحثات تمهيدية وتبادل أفكار تحضيراً لمسار تفاوضي محتمل، مشيراً إلى أنّ اللقاءات لا تزال تُعقد على مستوى السفراء.
وأوضح المصدر أنّ هذه المرحلة الجديدة انطلقت منذ نحو ثلاثة أسابيع، بالتوازي مع الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق أميركي – إيراني، لافتاً إلى أنّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أبدى اهتماماً واضحاً بتحريك الملف اللبناني، وهو يتولى شخصياً متابعة تفاصيله، بالتنسيق مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي يتواصل بدوره مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأشار المصدر إلى أنّ روبيو يُعدّ الشخصية الأساسية في إدارة هذا الملف على الصعيد الخارجي، ويتمتع بثقة ترامب، وقد اقترح عقد اجتماع على مستوى السفراء، حيث كان الاجتماع الأول تعارفياً، وتناول ملف "حزب الله" وسبل خفض التصعيد، بانتظار التوصل إلى اتفاق لبناني–إسرائيلي أو إلى صيغة واضحة تنظم العلاقة بين الطرفين، سواء عبر هدنة طويلة الأمد أو العودة إلى تفاهمات شبيهة باتفاق عام 1949، ضمن سيناريوهات لا تزال قيد البحث.
أضاف أنّ الموقف اللبناني يتمسّك برفض الدخول في مفاوضات تحت النار، ويشدد على ضرورة وقف إطلاق النار أولاً، وهو ما طُرح أمام الجانب الأميركي الذي أبدى استعداده لمحاولة تحقيق ذلك. ولفت إلى أنّ ترامب أعلن علناً عزمه التواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبحث سبل التهدئة وتخفيف الضربات.
وبحسب المصدر، لم تُسجَّل حتى الآن أي نتائج ملموسة، في ظل عاملين أساسيين: الأول يتمثل بالموقف الإسرائيلي الذي يربط وقف إطلاق النار بالوضع الميداني في الجنوب ودور "حزب الله"، رغم الضغوط الأميركية لتخفيف التصعيد، مقابل سعي إسرائيل إلى إنشاء منطقة أمنية. أما العامل الثاني، فيتمثل برفض "حزب الله" لهذا المسار، حيث اعتُبر إطلاقه النار خلال الجولة الثانية بمثابة رسالة اعتراض على المسار الذي تنخرط فيه الدولة اللبنانية.
وأشار المصدر إلى أنّ كلاً من إسرائيل وإيران يسعيان، وفق هذه القراءة، إلى عرقلة المسار التفاوضي، في وقت يُنتظر فيه عقد لقاء ثالث على مستوى السفراء لبحث إمكانية التقدم نحو وقف إطلاق النار.
وكشف عن إصرار أميركي، ولا سيما من قبل ترامب، على عقد لقاء ثلاثي في البيت الأبيض يجمعه مع رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبراً أنّ هذا الطرح يشكّل نقطة محورية بغض النظر عن مسار وقف إطلاق النار أو انطلاق المفاوضات.
وأوضح أنّ الجانب اللبناني لا يوافق في الوقت الراهن على هذه المقاربة، مشيراً إلى أنّ الرئيس جوزاف عون غير مستعد لعقد لقاء مع نتنياهو حالياً، وقد أبلغ هذا الموقف إلى كل من ترامب وروبيو، في ظل إصرار أميركي يقابله تريّث لبناني، ما يفتح الباب أمام احتمالات تعديل المواقف.
وختم المصدر بالإشارة إلى أنّ هناك تحضيرات لأجندات ستُطرح عند انطلاق المفاوضات، حيث يركّز الجانب اللبناني على أولوية وقف إطلاق النار، قبل الانتقال إلى بحث الإجراءات المطلوبة من الطرفين، بما يشمل من الجانب الإسرائيلي قضايا الأسرى، والانسحاب، ووقف الاعتداءات والخروقات، ومن الجانب اللبناني مسألة سلاح "حزب الله"، باعتبارها من أبرز الملفات المطروحة على طاولة التفاوض.
في المحصّلة، يبقى المسار التفاوضي رهينة توازنات معقّدة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية، وسط غياب أي اختراق فعلي حتى الآن. وبين إصرار دولي على الدفع نحو التهدئة، وتمسّك الأطراف المعنية بشروطها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الضغوط في فرض مسار تفاوضي جدّي، أم أنّ المشهد سيبقى عالقاً في دائرة التصعيد المدروس بانتظار تبدّل المعادلات؟