رأى مصدر ديبلوماسي مطلع على المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة أنّ الاتفاق يبدو "انعكاساً لتحوُّلات أوسع في ميزان القوى في الشرق الأوسط. فالمفاوضات جرت مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، من دون أن تكون إيران طرفاً في صياغة التفاهم أو في آليات تنفيذه، وهو مؤشر إلى تقلّص هامش تأثير طهران في إدارة الملف اللبناني مقارنة بالسنوات السابقة، وصولاً إلى إنهائه على المدى القريب. غير أنّ هذا لا يعني انتهاء النفوذ الإيراني بصورة تلقائية، إذ إنّ حجم هذا النفوذ سيظل مرتبطاً بقدرة أذرع إيران داخل لبنان على التأثير في مسار التنفيذ عبر عرقلته، بالتالي عرقلة انسحاب الجيش الإسرائيلي، وعرقلة نجاح الدولة في فرض احتكارها للقرار الأمني والعسكري، خصوصاً أنّ إيران باتت غير مرغوبة من قبل غالبية الأحزاب السياسية اللبنانية".
ويطرح الاتفاق معادلة جديدة تختلف عن كل المحطات السابقة، إذ إنّه "للمرّة الأولى يجعل الانسحاب الإسرائيلي نتيجة مباشرة لنجاح الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها الأمنية، وليس مجرّد استحقاق منفصل عنها. ومن هذا المنطلق، فإنّ أي تعطيل داخلي لآليات التنفيذ، لن يؤدّي فقط إلى تجميد الاتفاق، بل سيمنح إسرائيل مبرّراً للإبقاء على قواتها داخل المناطق التي تعتبرها ضرورية لأمنها، إلى حين استكمال الشروط الواردة في الاتفاق. بالإضافة إلى تحضير لوائح أسماء لوضعها على لوائح العقوبات الأميركية والدولية والخليجية، على غرار ما حدث خلال الشهر الأخير. الآن المعادلة واضحة: عينٌ على التنفيذ وعينٌ على العقوبات لكل من يعرقل".
أمّا التحدّي الأكبر، فيتمثل في موقف "الحزب"، الذي أعلن رفضه للاتفاق واعتبره غير ملزم، انطلاقاً من رفضه ربط الانسحاب الإسرائيلي بمسألة سلاحه. إلّا أنّ القراءة المقابلة ترى أنّ استمرار الاعتراض على تنفيذ البنود قد يؤدّي عملياً إلى إبطاء الانسحاب الإسرائيلي، لأنّ الاتفاق صيغ على أساس التزام متبادل ومتدرّج، فتتقدَّم كل مرحلة بالتوازي مع تنفيذ المرحلة المقابلة لها. وبذلك، يصبح أي تعطيل داخلي عاملاً يؤخّر استعادة الدولة سيطرتها الكاملة على الجنوب، ويؤجّل عودة السكان واستقرار المنطقة بصورة نهائية.
وفي الجانب التنفيذي، يشدّد الديبلوماسي، أنّ "المؤسسة العسكرية اللبنانية تبدو المستفيد الأول من الاتفاق. فنجاح الخطة يرتبط بتوسيع انتشار الجيش، وزيادة عديده في الجنوب، وتزويده بقدرات استطلاع ومراقبة وتجهيزات حديثة، بما يمكّنه من الإمساك الكامل بالوضع الأمني. ولذلك، تتّجه الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيّون إلى التعامل مع دعم الجيش باعتباره الاستثمار الأساسي في نجاح الاتفاق، لأنّ أي فراغ أمني قد يُعيد إنتاج أسباب التصعيد السابقة".
ويربط الديبلوماسي تنفيذ الاتفاق بمَدّ لبنان بأوراق قوة لدحض الضغط الإيراني الذي "يتأثر سلباً كلما تقدّم لبنان بقراره السيادي الخاص"، ويُضيف "الأسابيع الثلاثة المقبلة ستشهد طرح ملف معالجة الوضع الديبلوماسي لتسمية سفير إيراني في بيروت، فإذا أرادت إيران سفيراً يتعاطى مع لبنان من منطق دولة مقابل دولة يحترمان بعضهما، على طهران التأقلم مع الواقع الجديد واحترام قرارات السلطات اللبنانية وعدم عرقلة تفكيك البنية العسكرية للحزب، وإذا عاندت سيكون لبنان صاحب ورقة قوّة في تقزيم العلاقات الديبلوماسية مع طهران".
وعلى الصعيد الاقتصادي، "يحمل الاتفاق بُعداً لا يقل أهمّية عن بُعده الأمني. فاستعادة الاستقرار على الحدود الجنوبية، وإثبات قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، يشكّلان الشرط الأول أمام إطلاق برامج دعم واستثمارات عربية ودولية واسعة. وتعتبر دول الخليج أنّ أي انخراط اقتصادي طويل الأمد في لبنان يحتاج إلى بيئة مستقرة ومؤسسات رسمية قادرة على إدارة الأمن والاقتصاد بعيداً من ازدواجية القرار. وبالتالي، فإنّ نجاح الاتفاق قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار، فيما سيؤدّي فشله إلى استمرار عزلة لبنان الاقتصادية وتراجع ثقة المستثمرين".