في لبنان، لا تحتاج بعض الملفات إلى كثير من الوقت كي تنتقل من خانة الإجراء القضائي إلى مساحة السؤال السياسي، فحين يصبح تنفيذ مذكرة إحضار محوراً للجدل، وحين تتضارب الروايات حول مكان المطلوب للتحقيق وحين تدخل أسماء الأحزاب والقوى السياسية على خط المشهد، تصبح القضية أمام امتحان يتجاوز شخصاً واحداً ليصل إلى صورة الدولة وقدرتها على إنفاذ قراراتها على الجميع.
في آخر المعطيات المتوافرة، بدأت القضية مع استدعاء الصحافي حسن عليق إلى التحقيق لدى شعبة المعلومات بناء على إشارة من النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، على خلفية منشورين عبر منصة إكس تناولا المملكة العربية السعودية وولي العهد السعودي، قبل أن تتطور الإجراءات لاحقاً إلى مذكرة إحضار وتوقيف، بعدما لم يمثل عليق أمام المرجع المطلوب وفق ما أوردته مصادر إعلامية وقضائية متقاطعة، فيما يقول عليق إن ملاحقته ترتبط بعمله الصحافي، وقد تقدمت وكيلته المحامية عليا معلم بمذكرة تطعن في صلاحية النيابة العامة التمييزية للنظر في القضية، وتدفع بأن الملف يتصل بالنشر وما يترتب عليه من ضمانات قانونية خاصة.
هنا تحديداً تكمن العقدة، فالقضية لا تتعلق فقط بمكان وجود عليق أو بالجهة التي ستنفذ مذكرة الإحضار، وإنما بالسؤال الذي يرافق المشهد منذ اللحظة الأولى، هل يستطيع القضاء اللبناني تنفيذ قراره حين يتعلق الأمر بشخصية سياسية أو إعلامية محسوبة على بيئة حزبية نافذة، أم أن ميزان النفوذ سيبقى قادراً على رسم حدود الحركة الأمنية والقضائية، وهو سؤال يكتسب أهمية خاصة في مرحلة تحاول فيها الدولة إعادة تثبيت مفهوم واحد للسلطة وهو أن القرار القضائي لا يحتاج إلى إذن سياسي كي يُنفذ؟
أما ما تردد عن وجود عليق في أحد فنادق بيروت، وعن تدخل عناصر محسوبة على حزب الله لمنع توقيفه، فقد نشرته مواقع إعلامية نقلاً عن معلومات منسوبة إلى مصادر متابعة، من دون أن يصدر حتى الآن تأكيد رسمي مستقل من الأجهزة الأمنية أو القضاء يثبت هذه الرواية بصورة نهائية، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى قدر من الحذر الصحافي، مع الإشارة إلى أن موقعاً إعلامياً نقل عن معلومات منسوبة إلى وسيلة إعلامية شعبة المعلومات حاولت دخول فندق في منطقة معوض لتنفيذ مذكرة الإحضار، وأن عناصر من الحزب طوقت مداخل الفندق ومنعت الدخول وهي رواية تبقى في إطار المعلومات المتداولة إلى حين صدور تأكيد رسمي.
مع ذلك، فإن مجرد انتشار هذه الرواية في هذا التوقيت يفتح باباً سياسياً واسعاً، لأن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة في علاقته بين الدولة والقوى التي تمتلك نفوذاً ميدانياً وسياسياً، وأي انطباع بوجود منطقة محمية من تطبيق القانون سيكون أكثر خطورة من القضية نفسها، كون الدولة التي تعجز عن تنفيذ قرار قضائي واحد قد تجد نفسها أمام أزمة ثقة أكبر مع الرأي العام، خصوصاً حين يكون الملف مرتبطاً بشخصية إعلامية محسوبة على بيئة سياسية معروفة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الجانب القانوني من الملف، فالدفاع عن عليق يطرح مسألة حدود صلاحية الأجهزة الأمنية في قضايا النشر، فيما تقول مصادر أخرى إن المنشورات موضوع القضية لا تدخل ضمن العمل الصحافي التقليدي، لأنها نشرت عبر منصة "إكس"، وهو خلاف قانوني يحتاج إلى حسم قضائي واضح، بعيداً من الحسابات السياسية ومنطق الاصطفاف إذ إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على توقيف شخص وإنما أيضاً بقدرتها على احترام الأصول القانونية وتأمين حق الدفاع، وتطبيق القاعدة نفسها على الخصوم والحلفاء في آن واحد.
ومن هنا، يصبح ملف عليق جزءاً من مشهد أكبر، فالمسألة لا تتوقف عند صحافي يواجه ملاحقة قضائية، ولا عند منشورات أثارت اعتراضاً رسمياً، وإنما عند صورة الدولة اللبنانية في مرحلة تحاول فيها استعادة موقع المؤسسات، وكل خطوة في هذا الملف ستُقرأ خارج حدود القضية، فإذا نُفذت المذكرة وفق القانون، سيقال إن القضاء قادر على الوصول إلى من يطلبه، وإذا بقي التنفيذ معلقاً بفعل نفوذ سياسي أو أمني، فسيعود السؤال القديم إلى الواجهة من يحكم في لبنان، المؤسسات أم موازين القوى!؟
وفي هذا السياق، يعود اسم علي برو إلى الواجهة من جديد، بعدما خضع في آذار الماضي للاستجواب أمام قاضية التحقيق الأولى في بيروت رولا عثمان، التي أصدرت بحقه مذكرة توقيف وجاهية على خلفية ملف يتضمن ادعاءات مرتبطة بالتحريض وإثارة النعرات والتهديد والتعرض لرئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام فيما وصلت معلومات لموقع "LebTalks" عن احتمال صدور مذكرة جديدة بحقه خلال المرحلة المقبلة.
في نهاية المطاف، قد تنتهي قضية عليق بإجراء قضائي عادي، وقد تتحول إلى مواجهة قانونية حول صلاحيات الملاحقة وحدود حرية التعبير، لكن ما يجري الآن يحمل دلالة أوسع، لبنان أمام لحظة تريد فيها مؤسساته أن تقول إن زمن الاستثناءات يجب أن ينتهي وإن هيبة الدولة لا تُقاس بالشعارات وإنما بقدرتها على تنفيذ قراراتها وفق القانون، من دون انتقائية، ومن دون حماية سياسية، ومن دون أن يصبح أي حزب أو جهة أو شخصية فوق المساءلة فوق المساءلة وهذه هي النقطة التي ستحدد ما إذا كانت قضية حسن عليق مجرد ملف قضائي آخر، أم بداية اختبار فعلي لمدى قدرة الدولة على استعادة قرارها.