انهيار يهزّ  طرابلس.. هل تتحوّل الأبنية المتصدعة إلى قنابل موقوتة؟

Tripoli-qsszvv8rp9gb1ttek6e1efjc5w1w2bpuen3xfkmza8

بعد أيام على انهيار مبنى سكني في مدينة طرابلس، والذي أسفر عن سقوط ضحايا ووقوع عدد من الجرحى وبقاء أشخاص عالقين تحت الأنقاض لساعات، لا تزال تداعيات الحادثة الثقيلة تخيّم على المدينة، وسط تساؤلات متزايدة حول واقع الأبنية المهددة بالانهيار ومسؤولية الجهات المعنية في منع تكرار مثل هذه المآسي.

الانهيار الذي وقع في باب التبانة أعاد إلى الأذهان مشاهد الفوضى والهلع التي رافقت عمليات الإنقاذ، حيث عملت فرق الدفاع المدني والإسعاف لساعات متواصلة لانتشال المصابين والبحث عن ناجين. ورغم مرور أيام على الحادثة، ما تزال العائلات المتضررة تعيش صدمة الفقدان والخوف من المصير المجهول.

تقول "إم علي" إحدى السيدات اللواتي كنّ يقمن في المبنى المنهار إن اللحظات التي سبقت الانهيار كانت "مرعبة ولا تُنسى". وتضيف: "بدأنا نلاحظ تشققات كبيرة في الجدران منذ فترة، لكننا لم نتوقع أن ينهار المبنى بهذه السرعة. في ثوانٍ، تحول كل شيء إلى ركام". وتشير إلى أن عائلتها نجت بأعجوبة بعدما غادرت الشقة قبل وقت قصير من الحادث.

ويوضح ابراهيم سليمان مواطن من سكان الحي أن المبنى كان معروفًا بحالته المتردية، قائلاً: "كثير من الأبنية هنا قديمة ومهملة. الناس تخاف، لكن ليس لديهم بديل. الإيجارات مرتفعة والظروف الاقتصادية صعبة".

في هذا الإطار، أكد مسؤول في بلدية طرابلس أن الحادثة شكّلت "صدمة كبيرة" للبلدية وللسكان على حد سواء. وأوضح أن "فرق البلدية كانت قد سجّلت ملاحظات سابقة حول وضع بعض الأبنية في المنطقة، إلا أن معالجة الملف تصطدم بعقبات مالية وإدارية". وقال: "نحن نتابع ملف الأبنية الآيلة للسقوط، لكن إمكانات البلدية محدودة جدًا. بعد هذه الحادثة، ارتفع منسوب الضغط إلى حد أن بعض أعضاء المجلس البلدي لوّحوا بالاستقالة احتجاجًا على غياب الدعم وتعطّل الحلول الجذرية".

وأضاف أن "البلدية طالبت الجهات المركزية بخطة طوارئ عاجلة تشمل مسحًا شاملًا للأبنية الخطرة وتأمين مساعدات لترميمها أو إخلائها".

من جهته، يرى خبير في الهندسة المدنية نزار جرجور أن "انهيار المبنى ليس حادثًا معزولًا، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال". ويوضح أن العديد من المباني القديمة في طرابلس لم تخضع لصيانة دورية منذ عقود، ما يجعلها عرضة للانهيار، خصوصًا مع تأثير الرطوبة والعوامل المناخية. وقال: "أي مبنى تظهر عليه تشققات كبيرة يحتاج إلى تقييم هندسي فوري. تجاهل هذه المؤشرات قد يؤدي إلى كوارث. المطلوب اليوم خطة وطنية واضحة لإدارة مخاطر الأبنية المتداعية".

ويشير جرجور إلى أن الأزمة الاقتصادية فاقمت المشكلة، إذ باتت كلفة الترميم تفوق قدرة معظم السكان، في حين تغيب برامج الدعم الرسمية. كما شدد على ضرورة التنسيق بين البلديات والوزارات المختصة لإيجاد حلول مستدامة، تشمل أيضًا تأمين مساكن بديلة مؤقتة للعائلات المتضررة.

في الشارع الطرابلسي، تتصاعد المخاوف من تكرار الحادثة في أحياء أخرى تعاني ظروفًا مشابهة. كثير من السكان باتوا ينظرون إلى مبانيهم بعين القلق، متسائلين عن مدى سلامتها. إحدى الأمهات تقول: "منذ الانهيار ونحن نعيش في خوف. كل صوت قوي يجعلنا نظن أن الدور علينا".

وفي هذا السياق، شددت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد على أن الدولة وضعت خطة عاجلة من 7 نقاط بالتعاون مع غرفة عمليات الطوارئ في الشمال. وأوضحت أن الحكومة ستؤمّن إيواءً مؤقتًا للعائلات التي لا تملك بديلاً خلال 24 ساعة، على أن تُضم لاحقًا إلى برنامج "أمان" وتُغطى رعايتها الصحية على نفقة وزارة الصحة. كما أشارت إلى أنه بعد انتهاء الإيواء المؤقت سيتم دفع بدل إيجار أول ثلاثة أشهر بقيمة تصل إلى 300 دولار بالتعاون مع المخاتير والنقابات.

وبين الحزن الذي خلّفته الخسائر البشرية والقلق من المستقبل، تبدو طرابلس أمام اختبار صعب. فالحادثة الأخيرة لم تكن مجرد انهيار مبنى، بل إنذارًا صارخًا حول واقع عمراني هش يتطلب تحركًا عاجلًا. ومع استمرار التحذيرات، يبقى الأمل معلّقًا على خطوات عملية تضمن ألا تتحول الأبنية المتصدعة إلى مآسٍ جديدة يدفع ثمنها السكان الأبرياء.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: