السلاح يتمدد.. ولبنان في ازدواجية قاتلة!

HEZEB-2-qu1rlyee4lbemdhwbjl63rcse8kfqxdtpb8mlipkww

يطل المشهد اللبناني اليوم مثقلاً بطبقات عدة من الأزمات، كأن البلاد تعيش تكراراً دائماً لذاتها في لحظات الانكسار الكبرى، فحرب مفتوحة على الحدود، ارتدادات داخلية تتسع وذاكرة لا تزال تحمل صور الحرب الأهلية ومحطات مفصلية كـ1958، حيث كان الاختلال في بنية الدولة المركزية يتقدم على أي تفسير آخر لما جرى ويجري.

في هذا السياق، يقرأ مرجع سياسي مخضرم الواقع من زاوية مختلفة، زاوية تعيد طرح السؤال الجوهري حول طبيعة النظام نفسه، حيث لا يكتفي بوصف الأزمة، انما يذهب مباشرة إلى أصل الخلل، حيث يرى أن الدولة المركزية لم تعد قادرة على استيعاب التناقضات اللبنانية، لا سياسياً ولا اجتماعياً ولا حتى ثقافياً، فلكل جماعة نمط عيشها، سرديتها الخاصة وهواجسها التي لم تنجح الدولة في احتوائها ضمن إطار جامع فعلي.

من هنا يطرح الفدرالية كخيار لا كترف فكري، نابع من واقع مفكك أكثر منه مشروعاً نظرياً، فاتفاق الطائف، الذي كان يفترض أن يكون مدخلاً لإعادة بناء الدولة، يبدو اليوم كأنه خارج الزمن، في حالة جمود تام، منذ 1990 تُرفع شعارات تطبيقه، فيما بقي التنفيذ غائباً وكأن النص وُضع ليبقى معلقاً لا ليُطبق، بالتالي أي حديث تقليدي عن العودة إلى الطائف يفقد معناه أمام هذا العجز المزمن.

ويضيف، الفدرالية في هذا الطرح لا تأتي بقرار داخلي صرف ولا تُفرض من الخارج وحده، فهي تحتاج إلى توازن دقيق بين إرادة داخلية واضحة ومناخ خارجي متقبل، من دون هذا التلاقي، تبقى الفكرة حبراً على ورق.

وعند سؤال اللبنانيين اليوم، تتبدى حقيقة صادمة: كل مجموعة تميل إلى الانكفاء نحو ذاتها، تبحث عن مساحة أمان خاصة بعدما تآكلت الثقة إلى حدها الأدنى، هنا يصبح النظام السياسي مطالباً بأن يعكس هذا الواقع لا أن يتجاهله.

أما في ما يتصل بالمواجهة الدائرة، فالمقاربة التي يطرحها المرجع تتجاوز القراءة العسكرية المباشرة، ولا يرى أن الحسم يكون عبر مواجهة ميدانية بين الدولة وحزب الله، لا بل عبر استعادة الدولة حضورها الفعلي داخل مؤسساتها، كَوْن المشكلة أعمق من سلاح ظاهر، إنها مسألة نفوذ ممتد داخل قطاعات وإدارات، حيث يتداخل القرار الرسمي مع واقع مواز يفرض نفسه.

الدولة، وفق هذا المنطق، أمام اختبار وجودي، لا يمكن الحديث عن تفاوض أو سلام فيما القرار السيادي موزع، كيف يمكن لأي مسار تفاوضي أن يستقيم إذا بقيت القدرة على إشعال الجبهة من قبل حزب الله قائمة، أي اتفاق يفقد قيمته في لحظة واحدة إذا لم تقترن السياسة بقدرة فعلية على ضبط الأرض.

ويتابع المرجع: "العام الماضي يُقدم كدليل قاسٍ على هذا الخلل، اذ قيل إن السلاح غير الشرعي محصور جنوب الليطاني، لكن الوقائع أظهرت عكس ذلك، فالانتشار أوسع، والقدرة على الحركة أكبر، وما قُدم كضمانات لم يصمد أمام أول اختبار جدي، هنا تتبدى فجوة هائلة بين الخطاب والواقع، فجوة دفعت لبنان أثمانها باهظة.

في المقابل، ما يجري في الجنوب يتجاوز حدود المواجهة التقليدية، تدمير البنى التحتية واستهداف مقومات الحياة يفتح الباب أمام قراءة أخطر، لأن إسرائيل  تسعى إلى إعادة رسم معادلات جغرافية وأمنية تخدم رؤيتها، بالنسبة لها، الجنوب مساحة حيوية لا يمكن فصلها عن أمنها الاستراتيجي.

والمفارقة القاسية أن سلوك حزب الله، بحسب هذا التقدير، يمنح هذه الرؤية ما تحتاجه من مبررات، فكل تصعيد بحسب المرجع عينه يتحول إلى حجة إضافية، وكل انخراط غير محسوب يدفع نحو نتيجة قد تكون كارثية على البيئة التي يدّعي حمايتها.

لذا الخشية  ان تمتد الخسارة العسكرية إلى خسارة الجغرافيا نفسها، أي تغيير واقع الجنوب بما يهدد فكرة لبنان الكبير في جوهرها.

فإسرائيل تملك القدرة على فرض معادلات قاسية، وما حدث في ساحات أخرى في المنطقة يقدم أمثلة واضحة على حجم القوة المستخدمة عندما تُفتح المواجهة على مصراعيها، بالتالي تجاهل هذه الحقيقة لا يحمي لبنان، بل يزيد من كلفة الإنكار.

في المحصلة، المشكلة لم تعد في توصيف الأزمة، انما في الاعتراف بحقيقتها، قدم لبنان للعالم صورة لا تعكس واقعه، قال إنه التزم بالقرار 1701 منذ 2006، فيما التطبيق كان انتقائياً ومجزوءاً، هذا التناقض انفجر لاحقاً، وعاد ليضرب الداخل قبل الخارج.

في المحصلة، البلاد تقف اليوم أمام لحظة مفصلية، حيث لم يعد ممكناً الهروب إلى الشعارات أو تأجيل الأسئلة الكبرى، بين دولة عاجزة عن الإمساك بقرارها، وواقع ميداني يفرض إيقاعه، ومجتمع يتجه نحو مزيد من الانقسام، يصبح البحث عن صيغة جديدة أمراً لا مفر منه.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: