في مشهد قلّما نشهده في زمن البيانات الصحافية والبلاغات الرسمية، تجمّع السفير البابوي مع اثنين من المطارنة ومسؤول من كاريتاس، إلى جانب الرئيس العام لرهبانات الـSaint-Coeurs، وبرفقة ممثل عن وزارة الصحة، في قافلة إنسانية تضم نحو 15 شاحنة محمّلة بالمساعدات الغذائية والطبية.

توجّه الوفد إلى قرى كوكبا، جديدة مرجعيون، والقليعة، حيث تمّ توزيع المواد على الأهالي بالتنسيق مع الكهنة ورؤساء البلديات. لم يقتصر اللقاء على توزيع المساعدات، بل كانت كلمة الوفد حافلة بالدعم المعنوي والتشجيع، رسائل صادقة تعكس أهمية صمود الأهالي في وجه الصعوبات اليومية، وما يعيشه سكان الجنوب بشكل عام من تحديات اقتصادية وأمنية واجتماعية.

ما يميّز هذه الزيارة ليس فقط حجم المساعدات أو كثافة القافلة، بل رمزية الحضور البابوي بين الناس. السفير خلع عباءة البيانات الصحافية والاستنكارات الرسمية، وارتدى عباءة الخادم الأمين لمسيحه، عباءة الخدمة والرسالة. لم يكن هدفه مجرد حمل صناديق الغذاء، بل الوجود على أرض الصمود، في قلب معركة الحياة اليومية، لتأكيد حضور المسيحيين وقيم المسيح في المناطق الأكثر حاجة إلى دعم معنوي وعملي في مثل هذه الأوقات.

وخلال جولته، كان واضحًا أن المسيحيين في الجنوب بحاجة إلى مثل هذه المبادرات، فالحياة في هذه القرى اليومية مليئة بالتحديات، ومع ذلك يصر السكان على البقاء والدفاع عن أرضهم وهويتهم. هذه الزيارة لم تُقدّم لهم المساعدات فحسب، بل أرسلت رسالة قوية بأن هناك من يقف إلى جانبهم، من يسمع معاناتهم، ومن يقدّر صمودهم في أوقات الأزمات.
ولم تقتصر الرمزية على حضوره الشخصي، فالشراشيب الحمر على عباءته، التي عادة ما ترمز إلى الرتب والبروتوكول، تحوّلت إلى علامة فارقة في الإنسانية والدين، تذكّر الجميع بأن القوة الحقيقية تكمن في الخدمة والتضامن مع الآخرين.

أهالي القرى وصفوا الزيارة بأنها رسالة أمل وثقة، ليس فقط بسبب المساعدات، بل لكونها رسالة بأن العالم لا ينسى صمودهم، وأن الكنيسة والهيئات الإنسانية تقف إلى جانبهم. في زمن تتزايد فيه البيانات الصحافية الجافة، جاء هذا التحرك ليؤكد أن الوجود بين الناس هو أعظم رسالة، وأن الالتزام بالإنسانية يتجاوز كل بروتوكولات وطقوس، ليصبح رمزًا حيًّا للقيم المسيحية والتضامن الاجتماعي.
في هذه الأوقات، يصبح حضور شخصيات مثل السفير البابوي ليس رفاهية، بل ضرورة، المسيحيون الجنوبيون بحاجة إلى أن يشعروا أن هناك من يقف معهم، يدعمهم، ويشاركهم صمودهم، لتستمر حياتهم وأملهم على أرضهم رغم كل التحديات.