في السنوات الأخيرة، لم يعد التوتر بين لبنان ودول الخليج محصوراً بالمواقف السياسية أو الخطابات الإعلامية، بل تجاوز ذلك إلى هواجس أمنية جدّية مرتبطة بكشف خلايا وشبكات يُشتبه بارتباطها بحزب الله. هذه المعطيات وضعت العلاقة أمام اختبار حسّاس، حيث بات الأمن الخليجي جزءاً لا يتجزأ من تقييمه للعلاقة مع لبنان، في ظل مخاوف من تحوّل الساحة اللبنانية إلى منطلق لأنشطة تتخطى حدودها وتنعكس مباشرة على استقرار دول المنطقة.
في هذا السياق، أشار الصحافي والكاتب الكويتي داهم القحطاني في حديث لموقع LebTalks إلى أن "الكويت تتعرض للإرهاب منذ فترات طويلة والصراعات المسلحة، ولم تتوقف المحاولات العراقية سواء العسكرية أو عن طريق شبكات التجسس عن محاولة اختراق الداخل الكويتي. كانت هناك محاولة عبد الكريم قاسم سنة 1961 وهناك أزمة مخفر الصامتة الحدودية وصولاً إلى الغزو العراقي ومروراً بمحاولة الاستخبارات العراقية اغتيال الرئيس بوش الأب عند قدومه إلى الكويت، وكذلك محاولة تفجير بعض محلات الفيديو حتى تحدث فتنة داخلية، وهذه فيها اعترافات موثقة. ما يجعل الأمن الكويتي مستعد دوماً بشكل استباقي".

وفي هذا الصدد، لفت القحطاني إلى أن الكويت ضبطت في العام 2006 شبكة تجسسية إيرانية شارك فيها أحد أعضاء السفارة، وضبطت أيضاً شبكة أخرى تقريباً في عام 2018 أو 2017 وتم فيها محاكمات مفتوحة وأُعطي فيها كل المتهمين الفرصة للدفاع عن أنفسهم. وفي هذا الصدد تم أيضاً كشف ما يُعرف بخلية العبدلي التي تدربت حسب اعترافاتها وحسب التحريات عن طريق منسق إيراني عند حزب الله اللبناني".
وشدد على أن "الأمن في الكويت لديه خبرة كبيرة في التعامل مع مثل هذه الشبكات التجسسية. والكويت تحاول أن توازن بين سياستها المعتدلة مع الدول العربية وبين حاجتها الشديدة لضبط الأمن وعدم السماح لأي فكر ديني أو غير ديني بالتغلغل داخل الكويت. وعندما نقول الكويت فإننا نعني الكويت الدولة والكويت الشعب والكويت المقيمين، على اعتبار أن سبعين بالمائة من المقيمين في الكويت يعملون فيها ويكون مستقبلهم ليسوا بكويتيين، وهؤلاء مسؤولية الحفاظ على أمنهم من مثل هذه الشبكات أمر مهم جداً. لذلك ليست هناك سياسة أمنية جديدة؛ إنها سياسة راسخة لكنها تُحدَّث ببعض تطورات العصر بحيث يتم ضبط الأمن وعدم السماح لأي فكر خارجي بالتواجد بشكل ميداني ومحاولة ترويع الآمنين".
أضاف القحطاني في حديث لموقعنا أن "الكويت كانت هي الوسيط بين دول الخليج ولبنان وما يُعرف بالورقة الخليجية التي قدمها وزير الخارجية السابق أحمد ناصر محمد الصباح. وكانت خلال تلك الفترة هناك سيطرة واضحة لحزب الله على السياسة اللبنانية وتوجيهها بالاتجاه الإيراني، وحرمان لبنان بتنوعه وثقافته وقربه الكبير جداً من دول الخليج من استمرار فرص التعاون الاقتصادي والثقافي والسياسي".
وكشف عن أن "دول الخليج العربي تعرف الحالة اللبنانية جيداً؛ اتفاق الطائف الذي شكل الدولة اللبنانية الحالية وحافظ على الحد الأدنى من استمرار الدولة اللبنانية وعدم ذوبانها تم في السعودية وتحت إشراف خليجي. والخليج على هذا الأساس كان يقدم الدعم على اعتبار أن الدولة اللبنانية ستصل في مرحلة معينة إلى أن تدير نفسها بنفسها. هذا لم يحصل للأسف نتيجة لتعقيدات المشهد السياسي.
وبعد مجيء الرئيس اللبناني جوزاف عون والحكومة الجديدة برئاسة نواف سلام تغيّر الوضع بشكل جذري. ودول الخليج تدرك تماماً أن الدولة اللبنانية الحديثة صادقة في توجهها نحو الإصلاح ونحو الأمن ونحو عزل الدولة اللبنانية من كافة الصراعات. ودول خليجية تعتقد تماماً أن لها دوراً في مساعدة لبنان، الشعب أولاً والدولة ثانياً، في تخطي هذه المرحلة الصعبة".
وتابع القحطاني ف يحديث لموقعنا: "دول كبرى تم تغيير نظامها مثل سوريا نتيجة لاحتقان الوضع وكذلك في العراق سنة 2003. ولبنان دولة صغيرة وتستحق أن يتم فيها تغيير النظام بشكل جذري بحيث يكون هناك نظام يخدم الحالة اللبنانية ويخدم الشعب اللبناني ويبعد لبنان الصغير الجميل عن التوترات وعن تحوله إلى حديقة خلفية تدار فيها الصراعات. لذلك العلاقة في الوضع الحالي لا يمكن أن تتأثر بين الكويت ولبنان الحالي لأن هناك إدراكاً تاماً، فالكويت تدرك تماماً أن هناك عزلاً حالياً في الوضع الحالي. في فترة سابقة لم يكن هناك عزل لأن حزب الله اللبناني كان ملتهماً الدولة بشكل كامل. الآن تغير الوضع مع مجيء الرئيس الجديد والحكومة الجديدة ورئيس الوزراء الجديد".
وفي ضوء ذلك، يبدو أن إعادة ترميم الثقة بين لبنان ودول الخليج لن تكون ممكنة من دون معالجة جذرية لهذه الهواجس الأمنية، التي تشكّل اليوم أحد أبرز أسباب التباعد. فاستمرار الحديث عن خلايا ونشاطات مرتبطة بحزب الله يضع لبنان في موقع حرج، ويجعل علاقاته الخارجية رهينة بقدرته على ضبط هذا الملف، وإثبات أنه دولة قادرة على حماية محيطها كما حماية استقرارها الداخلي.