كتبت جويا أبو زيد:
في ظل الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان، تؤكّد الأخصائية النفسية المرخّصة نسرين فغالي كسابيان، رئيسة وحدة الإرشاد والتوجيه في إحدى المدارس وأخصائية نفسية في SIDC، أنّ ما يعيشه الناس اليوم "ليس طبيعيًا"، بل هو ردّ فعل إنساني على واقع ضاغط وصعب.
وتشير في حديث لموقع LebTalks إلى أنّ الناس لا يتعاملون مع هذه المرحلة بالطريقة نفسها، فكل شخص لديه أسلوبه الخاص في مواجهة الضغوط. فهناك من يشعر بحزن عميق، وآخرون بالغضب، وبعضهم يعاني من نوبات هلع، فيما يختبر آخرون حالة من "اللامبالاة" أو فقدان الإحساس.
وتوضح أنّ ما يحدث هو نوع من آليات الدفاع النفسية، حيث يقوم الدماغ بتأجيل المشاعر لتجنّب الصدمة، على أن يتم التعامل معها لاحقًا. وتشدّد على أنّ "كل ما يشعر به الناس اليوم هو طبيعي في هذه المرحلة"، لافتة إلى أنّ الحديث عن اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) يكون عادة بعد انتهاء الحرب واستقرار الأوضاع.
كما تشير إلى أنّ البعض يحاول تحويل ضعفه إلى قوة، من خلال الاستمرار في حياته اليومية ومحاولة التكيّف مع الواقع رغم صعوبته.
نوبات الهلع: كيف نواجهها؟
تشرح كسابيان أنّ نوبة الهلع قد تأتي بشكل مفاجئ، وهي شعور قوي بالخوف مع إحساس بفقدان السيطرة، وقد يظنّ الشخص أنّه يعاني من مشكلة صحية خطيرة، بينما في الواقع يكون السبب نفسيًا.
وللتعامل معها، تنصح بالتركيز على التنفّس من خلال تخيّل استنشاق رائحة وردة ثم إطفاء شمعة (تقنية تساعد على تنظيم النفس)، طمأنة النفس عبر تكرار عبارات مثل "أنا بخير" و"أنا بأمان"، التواصل مع شخص مقرّب فالحديث يساعد كثيرًا في تخفيف التوتر، استخدام الماء البارد مثل وضعه على المعصم، ما يساهم في تهدئة الجسم، وفي حال تكرار النوبات، يُفضّل طلب دعم متخصص.
القلق وفقدان السيطرة: كيف نستعيد التوازن؟
في أوقات الحرب، يشعر الناس بفقدان السيطرة على الكثير من الأمور، وهذا ما يزيد من القلق. لذلك، توصي كسابيان بالتركيز على ما يمكن التحكم به، مثل: الحفاظ على روتين يومي (العمل، مواعيد الطعام)، تخفيف متابعة الأخبار، خاصة قبل النوم، لأنّها قد تزيد القلق وتعطي شعورًا زائفًا بالسيطرة، ممارسة الرياضة والنشاطات اليومية، قضاء الوقت مع العائلة أو الأصدقاء، إيجاد شخص موثوق فيه للحديث معه.
كما تنصح بوجود خطة بديلة (Plan B)، مثل تجهيز حقيبة طوارئ تحتوي على المستلزمات الأساسية، ما يمنح شعورًا بالأمان والاستعداد.
تزايد الوعي النفسي… لكن "التابو" لا يزال موجودًا
وفي حديثها لموقعنا، تلفت كسابيان إلى أنّ لبنان يشهد حاليًا وعيًا أكبر حول أهمية الصحة النفسية، حيث بات عدد أكبر من الناس يطلب المساعدة من الأخصائيين النفسيين، خاصة في هذه الظروف حيث تكون المشاعر أكثر حدّة من الحياة اليومية.
لكن في المقابل، لا يزال موضوع العلاج النفسي يُعتبر "تابو" في بعض المجتمعات، رغم الجهود التي تبذلها الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي تقدّم جلسات دعم نفسي مجانًا أو بأسعار رمزية.
وتشدّد على أهمية توجيه الناس، خاصة أولئك الذين لا يستطيعون تحمّل كلفة العلاج، وإرشادهم إلى الأماكن التي يمكنهم اللجوء إليها للحصول على الدعم.
فرغم كل التحديات، يبقى الأمل موجودًا من خلال الوعي المتزايد والدعم المتبادل بين الناس. فالصحة النفسية لم تعد ترفًا، بل ضرورة أساسية لمواجهة الأزمات والاستمرار.