تتكثف الإشارات المتبادلة بين أطراف النزاع على أرض لبنانية تبدو أكثر هشاشة أمام فائض القوة المحيطة بها، في هذا السياق يبرز ما نشره موقع "ألما" الإسرائيلي بوصفه قراءة تحمل أبعاداً تتجاوز الطابع البحثي، لتلامس حدود الرسائل غير المباشرة، حيث اعتبر أن سفارة إيران في بيروت تمثل، وفق تقديراته، مركز ثقل لنفوذ الحرس الثوري داخل لبنان مع ما يرافق ذلك من إيحاءات تتصل بطبيعة الأدوار التي تُنسب إلى هذا الحضور.
المعطيات التي أوردها الموقع تتقدم نحو طرح إشكالية أعمق تتعلق بقدرة الدولة اللبنانية على فرض قراراتها وتنفيذ مواقفها، في مشهد يتكرر بحسب توصيفه في محطات متعددة من الأداء الرسمي.
هذا الواقع، كما يورده الطرح نفسه، ليس خافياً على الأطراف المعنية، سواء في الداخل أو الخارج، وهو ما يفتح الباب أمام استباحة سياسية وإعلامية تتغذى من تباينات الموقف الداخلي وتناقضاته.
وفي موازاة ذلك، يتخذ الخطاب الإسرائيلي منحى أكثر صراحة، حيث أشار وزير الخارجية جدعون ساعر إلى استمرار وجود السفير الإيراني في بيروت رغم المواقف الرسمية اللبنانية في إشارة تحمل في طياتها بعداً يتصل بمدى فاعلية القرار السيادي، بالتالي هذه اللغة وإن بدت في ظاهرها توصيفية، تعكس في جوهرها اختباراً لحدود الرد اللبناني وإمكاناته.
قراءة الوزير السابق رشيد درباس تذهب أبعد في تفكيك هذا المشهد إذ يلفت في حديثه لموقع LebTalks إلى أن إسرائيل وفق تجربتها السابقة، لا تقيم وزناً لخطوط حمراء عندما تقرر تنفيذ عملياتها، الذي يجعل أي هدف ضمن دائرة الاحتمال متى توافرت المعطيات الميدانية أو السياسية لذلك.
ويشير في الوقت عينه، إلى أن امتناعها عن استهداف البنى التحتية الأساسية في لبنان حتى الآن قد يرتبط بضغوط أميركية تضبط إيقاع هذا التصعيد وتمنع انزلاقه نحو مستويات أشد خطورة.
فهذا التداخل بين الردع والضبط الخارجي يواكبه خلل داخلي في توحيد الموقف وهو ما ينعكس، بحسب درباس، في تصاعد الخطاب المتوتر وازدياد منسوب الاحتقان، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مقاربة مختلفة عنوانها تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو صدامات داخلية.
وتبرز أهمية المؤسسة العسكرية هنا كركيزة أساسية لضبط الأمن لا سيما في العاصمة حيث إن نجاحها في هذه المهمة يبقى شرطاً لازماً للحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الوطني في ظل بيئة مشحونة بعوامل التفجير.
ويختم درباس قائلاً: المخاوف لا تقتصر على البعد الأمني الخارجي إذ تتداخل مع أزمات داخلية متراكمة، من بينها ملف النزوح وما يفرضه من ضغوط اجتماعية واقتصادية، الذي يجعل الساحة اللبنانية أقرب إلى نقطة احتكاك مفتوحة على احتمالات متعددة في أي لحظة، وفي ضوء سوابق المنطقة حيث لم تتردد إسرائيل في تنفيذ عمليات اغتيال طالت شخصيات بارزة تتعزز الهواجس من أن أي تصعيد مقبل قد يتجاوز الحسابات التقليدية.
في المقابل، يقدم أحد السياسيين البارزين قراءة أكثر حذراً لموقعنا، معتبراً أن استهداف السفارة الإيرانية في بيروت لا يزال احتمالاً ضعيفاً في المرحلة الراهنة، وإن لم يكن مستبعداً بالكامل.
وفق رؤيته، هذا التقدير يرتبط، بعدم بلوغ مستوى المواجهة بين إيران وإسرائيل حد استهداف البعثات الديبلوماسية بشكل مباشر، نظراً لما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة قد تدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.
المواقف الإيرانية بدورها تعكس معادلة ردع واضحة، إذ أكد اللواء أبو الفضل شكارجي أن أي استهداف لسفارة طهران في لبنان سيقابله رد مماثل يستهدف سفارات إسرائيل، في رسالة تهدف إلى تثبيت قواعد اشتباك غير معلنة تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، بالتالي هذه المعادلة، وإن بدت رادعة في ظاهرها تحمل في عمقها خطر الانزلاق السريع نحو تصعيد متبادل في حال كسرت هذه القواعد.