اجتماع "الرباعي السني" في إسلام آباد.. حسابات الجغرافيا السياسية والنفوذ والاقتصاد

Untitled-1

كتب حسن هاشم:

استضافت العاصمة الباكستانية إسلام آباد، يوم الأحد الماضي، اجتماعًا رباعيًا ضمّ وزراء خارجية كلّ من باكستان وتركيا والسعودية ومصر، وهي الدول الأكبر في الشرق الأوسط وجنوب آسيا ذات الغالبية السنية.

وشارك في الاجتماع كلّ من وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، ونظيره التركي هاكان فيدان، ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.

صدر عن الاجتماع بيان رسمي شدّد على ضرورة احتواء التصعيد الإقليمي، والعمل على دفع مسار التهدئة، إلى جانب تأمين الملاحة الدولية وتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.

من جانبه، أكد وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن بلاده تسعى إلى لعب دور "جسر تواصل" بين الأطراف المتنازعة، بما يعزز فرص التسوية السياسية ويمنع الانفجار الشامل.

يظهر هذا الاجتماع بوضوح أنه لم يكن مجرد تنسيق ديبلوماسي استجابة لوقائع الحرب القائمة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بل يعكس تداخلاً عميقًا بين اعتبارات الجغرافيا السياسية، وحسابات النفوذ الإقليمي، وضغوط الاقتصاد، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

الجغرافيا السياسية وتغيير الحدود

رغم توقيع باكستان اتفاقية دفاعية مع السعودية في أيلول 2025، فإن إسلام آباد لا تستطيع النظر إلى الصراع مع إيران من زاوية التحالفات فقط، بل من زاوية الأمن الوجودي لها ككيان. فاحتمال تفكك إيران على أسس إثنية، ولا سيما انفصال البلوش في محافظة سيستان بلوشستان في جنوب شرقي إيران، يفتح الباب أمام سيناريو مشابه في إقليم بلوشستان باكستان، حيث يسعى البلوش هناك أيضًا إلى الانفصال عن إسلام آباد، وهذا السيناريو لا يهدد فقط وحدة الدولة، بل قد يطلق سلسلة تفاعلات انفصالية لدى قوميات أخرى، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من هشاشة داخلية في ظل خطر اندلاع فتنة سنية - شيعية في أي لحظة، وصراع مزمن مع الهند، القوة النووية المنافسة لها في جنوب آسيا، إضافة إلى توترات مستمرة مع حركة "طالبان" على الحدود مع أفغانستان.

كذلك فإن حسابات الجغرافيا السياسية تنطبق على تركيا، التي ترى في أي تفكك إثني لإيران تهديدًا مباشرًا لوحدتها وأمنها القومي. فاستقلال الأكراد في إيران قد يشكل حافزًا لأكراد تركيا لإعلان الانفصال والاستعدادا لإعلان قيام دولة "كردستان الكبرى"، خاصة إذا ما تلاقت هذه الديناميات مع إقليم كردستان العراق ولا سيما في ظل الاستهدافات الأمنية المتكررة التي طالت الإقليم خلال الحرب، ومع مناطق ما كان يعرف بالإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا (روجآفا).

صراع النفوذ

على مستوى النفوذ، تتحرك السعودية بدافع استباقي لمنع عودة إيران إلى موقع الهيمنة الإقليمية الذي بلغته بعد الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، خصوصًا في مرحلة صعود القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيرامي، قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في الثالث من كانون الثاني 2020 في العاصمة العراقية بغداد.

الرياض تدرك أن أي تسوية غير محسوبة قد تتيح لطهران استعادة شبكات نفوذها في سوريا من خلال محاولة إسقاط النظام القائم الذي يقوده أحمد الشرع، وتعزيز حضورها عبر أذرعها الإقليمية، وعلى رأسها حركة "أنصار الله" (الحوثيون) في اليمن، بما يعيد تهديد العمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف المنشآت التابعة لشركة "أرامكو" السعودية.

من هنا، يبدو أن "الاجتماع الرباعي السني" يشكل محاولة لإعادة صياغة ميزان القوى في المنطقة، ومنع إيران من تحويل أي مكسب سياسي إلى تفوق استراتيجي طويل الأمد، في حال اعتقدت طهران أنها انتصرت في هذه الحرب وبالتالي بإمكانها فرض شروطها على طاولة المفاوضات.

حسابات الاقتصاد

لا يمكن فهم سلوك باكستان ومصر من دون التوقف عند العامل الاقتصادي. فكلا البلدين يعتمدان بشكل كبير على برامج الدعم التي يقدمها صندوق النقد الدولي، إلى جانب الودائع والاستثمارات الخليجية.

ففي حالة باكستان، تجاوزت حزم الإنقاذ التي حصلت عليها من صندوق النقد خلال السنوات الأخيرة مليارات الدولارات، مع برنامج حديث يقدّر بنحو 3 مليارات دولار، فيما تعتمد على ودائع سعودية وإماراتية لدعم احتياطاتها من النقد الأجنبي وإنقاذها من الإفلاس وإبقاء شبكة الكهرباء في الخدمة.

أما مصر، فقد حصلت على برنامج تمويلي ضخم من الصندوق تتجاوز قيمته 8 مليارات دولار، إلى جانب تدفقات استثمارية خليجية بمليارات إضافية، أبرزها صفقات تطوير كبرى ومشاريع بنية تحتية.

نحو "ناتو سني"؟

في المحصلة، يمكن قراءة هذا الاجتماع بوصفه علامة جديدة من علامات محاولة تأسيس نواة تحالف إقليمي بين الدول السنية الكبرى في المنطقة أو ما يمكن تسميته بـ"ناتو سني"، يهدف إلى تحقيق توازن ردع في مواجهة إيران، ومنع عودتها إلى موقع الهيمنة من جهة، وفي الوقت نفسه بناء إطار أمني إقليمي موازٍ، في ظل تراجع فاعلية المظلة الأميركية في حماية حلفائها في المنطقة، خاصة بعد عجزها عن منع الهجمات التي طالت دول الخليج منذ اندلاع الحرب.

غير أن هذا التكتل، إن تبلور، سيبقى محكومًا بتناقضات داخلية عميقة، حيث تتنافر وتتعارض المصالح والمقاصد بين أعضائه - ولا سيما بين المملكة العربية السعودية وتركيا وبين مصر وتركيا - ما من شأنه أن يؤدي إلى ظهور الصدع بين أطرافه في مراحل لاحقة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: