ما سجّلته الساعات الأخيرة بين الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وبين شنّ إسرائيل هجوماً عسكرياً ضارياً على حزب الله، قلب المعادلة الجيوسياسية بصورة دراماتيكية.
فبعد إسناد حزب الله لإيران انتقاماً لمقتل المرشد علي خامنئي، بات الهمّ في مكانٍ معاكس: إسناد إيران لحزب الله.
نقول هذا انطلاقاً مما ظهر خلال الأربعاء الدامي في لبنان، حيث تحقق الفصل الكامل بين الملف الإيراني وملف حزب الله. وما شنّ إسرائيل لهجماتها على حزب الله قبل أن يجفّ حبر تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول إعلان وقف النار مع إيران، إلا الدليل على أمرين أساسيين:
الأول، أن اتفاق وقف النار في إيران لم يشمل لبنان بإرادة إيرانية، وإلا لما أعلنت طهران قبولها بوقف النار بمعزل عن شموله الحزب في لبنان. واللافت في سياق الأحداث والمواقف الإيرانية، البيان الإيراني الذي تحدّث عن "درس كيفية مساندة الحزب"، بدل أن تبادر طهران، ومن دون تردّد، إلى إطلاق صواريخها على إسرائيل "إسناداً" لدرّة تاجها في لبنان.
الثاني، أن الرئيس ترامب وإدارته لا يعنيهم الملف اللبناني، وقد أوكلوا إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي تولّي ضرب الحزب حتى النهاية، وهذا ما رشح من خلال المعلومات التي أتت من واشنطن، بعدم شعور الإدارة الأميركية بأي حرج من شنّ إسرائيل عملياتها ضد الحزب.
انطلاقاً من هذه المعطيات، وضعت الحملة الإسرائيلية على حزب الله حالياً القيادة في طهران أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما مساندة الحزب الذي يتعرض لأقوى الضربات العسكرية الإسرائيلية، وبالتالي التدخل الميداني، ما يعني نقضها لاتفاق وقف النار وعودة الحرب الأميركية عليها؛ وإما ترك الحزب لمصيره، فيتحقق بند إنهاء أذرع إيران في المنطقة، بدءاً من النواة الأقوى لديها، أي حزب الله، وبالتالي بيع طهران للحزب على مذبح إسرائيل.
بعيداً من الغوغائية والبروباغندا الإيرانية الفارغة والمعتادة، ومنها سردية "الانتصار"، ما يحصل في لبنان منذ الأربعاء ينهي نظرية وحدة الساحات، ويقطع "حبل السرة" بين ما تبقّى من نظام في إيران والابن المدلّل حزب الله. هذا الحبل الذي أنشأ محوراً أمضى عقوداً في تدمير المنطقة، ولبنان بشكل خاص، والذي زرع الموت والدمار في دول عربية، كان آخرها استهداف دول الخليج العربي بعدوان سافر ومنحط.
المعركة الأميركية الإسرائيلية مع النظام وبقاياه في إيران لم تنتهِ. فالهدنة ووقف النار وموافقة النظام عليهما لم تكن لتحصل لولا ضغط صيني واضح، وعين بكين على مضيق هرمز الحيوي، كما عين واشنطن على الـ460 غراماً من اليورانيوم المخصب والبرنامج النووي، أو ما تبقّى منه، فيما ملف الأذرع، وحتى إشعار آخر، بيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وحزب الله أول أهدافه.
يبقى السؤال: هل قصف إسرائيل للحزب في لبنان يمكن أن يتحوّل قصفاً للمبادرة الباكستانية في إيران؟
الساعات والأيام المقبلة جديرة بالإجابة على هذا السؤال.