افتتاحية LebTalks: الدولة أمام "فرصة مفصلية".. فهل يحرَّر لبنان؟

lebanon

يصادف اليوم ذكرى حربٍ أهلية بات اللبنانيون يتحدثون عنها يومياً، وكأنها شبحٌ لا يزال يطاردهم في تفاصيل حياتهم. وربما بات من الضروري أن نتعلّم من تاريخٍ أوجع البلاد وأثقل كاهل شعبها، أن نستخلص منه العِبر لا أن نكرّر أخطاءه. فقد أثبتت الحرب الأهلية أنها لم تجلب سوى المزيد من الانقسام والدمار، ولم تنتج إلا واقعاً هشّاً قائماً على الخوف والتشرذم.

ولعلّ التجربة اللبنانية، بمحطاتها المفصلية، تُظهر بوضوح أن غياب فصل المسارات وحياد الدولة كان القاسم المشترك في كل الانهيارات. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، حين تحوّل لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة بين قوى داخلية وخارجية، مرورًا بالاجتياح الإسرائيلي عام 1982 الذي كرّس واقع الصراع الإقليمي على أرضه، وصولًا إلى مرحلة الوصاية السورية (1990–2005) التي قيّدت القرار اللبناني وربطته بمسار خارجي، لم يعرف لبنان استقرارًا فعليًا.

حتى بعد انسحاب الجيش السوري عام 2005، لم يستعد لبنان حياده، بل دخل في مرحلة جديدة من الصراعات غير المباشرة، تجلّت بوضوح في حرب تموز 2006، حيث يمكن القول إنه انتقل من الوصاية السورية الى الوصاية الايرانية. وتكرّر المشهد في السنوات اللاحقة، مع انخراط حزب الله في الحرب السورية منذ 2012، ما أعاد ربط الساحة اللبنانية بمحاور خارجية، وأدخل البلاد في تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية عميقة.

كما شهد لبنان محطات داخلية خطيرة، أبرزها أحداث 7 أيار 2008، التي عكست بوضوح خلل موازين القوى داخل الدولة، وأظهرت كيف يمكن للسلاح خارج إطارها أن يفرض وقائع سياسية بالقوة.

إلا أن الواقع لا يزال يُظهر أن هناك من يهوى منطق الدم والدمار، ومن لا يتردّد في المسّ بالسلم الأهلي كلما دعت مصلحته. وأحياناً، تكون الكلمات أخطر من الأفعال، إذ إن ما نشهده من تصريحات صادرة عن بعض مسؤولي حزب الله يعكس توجهاً مقلقاً، ويؤكد أن لبنان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى التحرّر من عقيدةٍ قيّدته وعزلته، عقيدة لم تؤمن يوماً بلبنان كدولة مؤسسات ودستور، بل تعاملت معه كساحةٍ مفتوحة للدفاع عن الآخرين وخوض صراعاتهم.

اليوم، لم يعد هناك إيمان بإمكانية العبث بالسلم الأهلي كما في السابق، لكن في المقابل، فإن التعامل مع الدولة وكأنها في موقع الخصم يشكّل بحد ذاته تهديداً مباشراً للاستقرار الوطني. فلبنان لا يمكن أن يستقيم إلا إذا كان جميع أبنائه تحت كنف الدولة، لا خارجها ولا فوقها.

وهنا، لا يعود الحديث عن السلم الأهلي كافياً بحد ذاته، لأن الحفاظ عليه لم يعد ممكنًا من دون معالجة جذور الخلل التي تهدّده. فالسلم الأهلي ليس مجرد امتناع عن الاقتتال، بل هو نتيجة مباشرة لقيام دولة فعلية قادرة على فرض سيادتها على كامل أراضيها، وضبط قرار الحرب والسلم ضمن مؤسساتها.

ومن هذا المنطلق، لم يعد الحياد خيارًا نظريًا أو طرحًا قابلًا للتأجيل، بل بات ضرورة نهائية لا تحتمل المساومة. حيادٌ يُخرج لبنان، مرة واحدة وإلى الأبد، من دوامة المحاور، ويضع حدًا لتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. لأن كل التجارب أثبتت أن غياب هذا الحياد كان المدخل الأساسي لكل حرب، ولكل انهيار، ولكل مرحلة دفع فيها اللبنانيون ثمن صراعات لا علاقة لهم بها.

فإما أن ينجح لبنان اليوم في تثبيت هذا المسار، مستفيدًا من لحظة التفاوض كفرصة لإعادة تعريف موقعه ودوره، وإما أن يبقى أسير دوامةٍ لم تنتج يومًا سوى الخسارة. هنا، لا يكفي أن نطالب بالسلم الأهلي، بل يجب أن نكرّس حياد لبنان كخيار نهائي… لأن من دونه، سيبقى السلم هشًّا، ومعرّضًا للسقوط في أي لحظة.

ومن هنا، فإن فصل مسار لبنان عن إيران يشكّل الخطوة الأولى نحو استعادة القرار الوطني. وكما في زمن الحرب، كذلك في زمن السلم، لا يمكن القبول بحروب الآخرين على أرضنا، ولا بأن يفاوض أحد باسمنا، ولا بأن يُستخدم لبنان ورقة تفاوض لتحقيق مكاسب جيوسياسية لن يحصد منها شيئاً. الدولة وحدها تفاوض، والدولة وحدها تقرّر، والدولة وحدها تنفّذ. لأن زمن أحادية القرار بالقوة قد ولّى، كما ولّى زمن فائض القوة، وأصبحت الدولة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتطبيق قراراتها، وترسيخ سيادتها، وصولاً إلى تثبيت واقعٍ تكون فيه بيروت مدينة منزوعة السلاح بشكل رسمي وواضح.

وفي هذا السياق، تبدو الدولة اللبنانية اليوم أمام فرصة مفصلية تبدأ الثلثاء، وقد لا تتكرر، لإثبات قدرتها على استعادة دورها الطبيعي كمرجعية وحيدة للقرار. فمسار التفاوض القائم لا يشكّل مجرد محطة سياسية عابرة، بل اختبارًا فعليًا لمدى قدرة الدولة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات باسم لبنان، واتخاذ قرارات سيادية تعبّر عن مصلحته الوطنية.

هذه الفرصة لا تقتصر على مخاطبة الخارج فحسب، بل تمتد أيضًا إلى الداخل اللبناني، حيث يُفترض أن تُثبت الدولة أنها قادرة على فرض حضورها كسلطة جامعة، قادرة على إدارة الملفات الكبرى بعيدًا من منطق الازدواجية أو تعدد المرجعيات. كما أن المجتمع الدولي يراقب عن كثب، وينتظر إشارات واضحة على أن لبنان قادر على التصرّف كدولة مكتملة السيادة، لا كساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية.

أما جنوباً، فسقطت مدينة بنت جبيل، تلك المدينة التي لطالما شكّلت معقل حزب الله، والنقطة المحورية في الصراع البري، وفي سياق آخر لا تزال البلدات المسيحية تعاني من حصارٍ قاسٍ، يشتدّ يوماً بعد يوم. وتناشد هذه البلدات، وفي مقدّمها دبل، فتح ممرّ ولو ضيّق، يتيح إدخال المواد الأساسية التي تضمن الحد الأدنى من مقومات الصمود والاستمرار.

وعلى المستوى الدولي، فقد عادت مفاوضات إسلام آباد إلى نقطة الصفر تقريباً، بين ترحيبٍ شكلي ورفضٍ فعلي لبنودها، وتمسّكٍ من كل طرف بفرض شروطه ورؤيته الخاصة لمسار الحل. إيران لا تزال متمسكة بملف اليورانيوم وبشروط تتعلق بمضيق هرمز، في مقابل إصرار أميركي على التزام طهران الكامل ببنود أي اتفاق. إلا أن مصادر ديبلوماسية أكدت لموقعنا أن الطرفين، رغم التصعيد الظاهر، يسعيان إلى إنهاء الحرب، كلٌ لأسبابه الداخلية والخارجية، وأن ما يحصل حالياً ليس سوى محاولة لكسب الوقت، وإدارة ما تبقّى من أوراق ديبلوماسية وعسكرية، بانتظار لحظة الحسم.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: