عشية القمة.. لعبة الوقت بين واشنطن وطهران لصالح الاميركي

b4cee39d-e2dd-41e6-8f14-538b7f404cd4

المنطقة مفتوحة أمام شتى الاحتمالات، من استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، إلى التفاوض، وصولاً إلى العودة للعمليات العسكرية ضد النظام الإيراني وما تبقّى منه.

الملاحظ أن القيادة الإيرانية لم تُبدِ أي حماس لاستئناف المفاوضات مع الجانب الأميركي، بعدما رفضت واشنطن الورقة المقدّمة عبر الوسيط الباكستاني. وقد أحسن البيت الأبيض الردّ على هذه الورقة، وطلب تعديلات عليها انطلاقاً من أولوية الملف النووي، ومصير الكمية المخصبة، فضلاً عن ملف أزمة مضيق هرمز.

ويبدو أن الجانب الإيراني المتخبّط داخلياً بأكثر من ملف شائك، ولا سيما الاختلافات على مستوى القرار، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية التي تزداد يوماً بعد يوم سوءاً بسبب الحصار، رغم وجود منفذ بحر قزوين ومتنفّس التصدير منه، إلا أنّ إيراداته أقل بكثير مما لو فُتح أمامه مضيق هرمز، الذي تُصدّر منه إيران 90% من إنتاجها النفطي والغازي.

الملاحظ أن القيادة الإيرانية لم تقبل بالتفاوض مع الأميركي إلا بعد تهديدات الرئيس دونالد ترامب بضرب منشآت الطاقة في إيران، ما يعني أن واشنطن، وفي حال "قطع الأمل" من العودة إلى المفاوضات بشروطها، ستعود وتلوّح بهذه الورقة العسكرية، رغم أنّ الأميركي اليوم مرتاح إلى حدّ ما لنتائج حصاره للموانئ الإيرانية عبر هرمز، وهو يراهن للمرة الأولى على الوقت لإسقاط النظام من الداخل. فاستحصال واشنطن على ما تريده عبر الحصار أفضل ألف مرة من الاستحصال عليه بالحرب، علماً أنّ الحصار، في القانون الدولي، عمل من أعمال الحرب.

فانطلاقاً من مجمل هذه المشهدية، نتوقف عند الآتي:

أولاً: معدل كلفة الحرب على الجانب الأميركي يبلغ 20 مليون دولار يومياً، بينما كلفة إقفال مضيق هرمز على طهران 500 مليون دولار يومياً، وهذا الرقم من الجانب الإيراني مرشّح للازدياد والمضاعفة والتراكم خلال الأيام المقبلة، خاصة أمام "اختناق" محطات التخزين النفطي في إيران بفعل قلّة التصريف مقابل استمرار الإنتاج، وإلا تُهدَّد الآبار بالنضوب إن لم تنتج خلال فترة محددة، وتصبح بالتالي غير صالحة. فتلك الأرقام وحدها كفيلة بإعطاء مؤشر قوي إلى توازن القوى المفقود بين الطرفين، وعلى قدرة واشنطن على الاستمرار بحصارها للمضيق.

ثانياً: ورقة مضيق هرمز، التي أرادها الجانب الإيراني ورقة الضغط الأقوى في وجه الأميركي، باتت أقوى ورقة ضد الإيراني في اليد الأميركية، التي تقيم الربط المحكم بين تلك الورقة والملف النووي، بحيث لا فكّ ترابط بين الملفين أميركياً، ولا معالجة لموضوع هرمز منفصلاً عن الملف النووي، لعلمه أنّ مثل هذا الفصل سيؤدي بمعالجة الملف النووي إلى عشرات السنين إلى الأمام.

ثالثاً: طرح النظام الإيراني فصل المسارين (هرمز عن النووي) مؤشر إلى اختلال الوضع الداخلي في إيران، وفقدان التوازن في القيادة بين الحرس الثوري والسياسيين الذين يرون المصير الكارثي للنظام وإيران نتيجة التشدد والتطرف الثوري.

الحرس الثوري لا خيارات بنظره إلا النصر أو الاستشهاد، ولو أدى ذلك إلى تدمير إيران ومقوماتها كدولة. ومن هنا تعود مشهدية الصراع والازدواج بين منطق الدولة ومنطق الثورة؛ منطقان كان المرشد الراحل يحسن إدارتهما وتكاملهما في خدمة أجندة إيران الإقليمية والدولية، أما اليوم، ومع غياب هذا العامل "الموائم" بين النظرتين، تتفكك القيادة الإيرانية لصالح منطق الانتحار ولا الاستسلام.

رابعاً: من الناحيتين الجيوسياسية والاستراتيجية، ما يهم واشنطن ليس إنهاء النظام في إيران بقدر ما يهمها تحوّل النظام، وأي نظام في إيران، إلى نظام يدور في الفلك الأميركي. وقد قالها الرئيس دونالد ترامب منذ اليوم الأول للحملة العسكرية الأخيرة، بأنه يهدف من خلالها إلى "تغيير سلوك النظام لا تغييره"، فيما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد حدّد هدف إسقاط النظام منذ اليوم الأول لانخراط إسرائيل في الحرب الحالية.

فالمثال الياباني شاخص في الأذهان. فاليابان لم تصبح حليفة لواشنطن إلا بعد إسقاط القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناكازاكي واستسلام الإمبراطور هيروهيتو وها هي اليوم من بين أكثر الدول الآسيوية تحالفاً مع الأميركيين في شتى المجالات.

فواشنطن لا تزال بحاجة إلى إيران لتشديد الطوق الجيوسياسي على الصين، خاصة في المجال النفطي، قطعاً لطريق الحرير، من خلال ضم إيران إلى معسكر واشنطن، ولو بقي نظام الملالي في طهران، إنما مدجّناً ومتحالِفاً مع واشنطن. ومن هنا أهمية إيران في الاستراتيجية الأميركية كموقع جيوسياسي في صراع واشنطن مع الصين.

والجدير ملاحظته في الموضوع الصيني المعطيات التالية:

1- بعد أسبوعين سوف تلتئم القمة الأميركية الصينية بين الزعيمين دونالد ترامب وتشي، وقد تأجلت من الأول من نيسان الفائت إلى موعدها الجديد، وهذه القمة ستُعقد في ظل الحصار الأميركي المستمر على إيران.

2- الصين تعتبر الشريان الوحيد الذي منه يتنفس النظام الإيراني، وقد قُطع هذا الشريان عن النظام بفعل الحصار بنسبة عالية جداً حتى الآن، رغم عبور بعض السفن المحدودة الحصار بتغاضٍ أميركي واضح وموضعي.

3- الصين بحاجة إلى الولايات المتحدة الأميركية رغم استمرار التنافس العسكري والاقتصادي، لكن مع حاجة الصين إلى أميركا أكثر. وقد لوحظ منذ اندلاع الحرب على النظام الإيراني توقف الطلعات الجوية الصينية اليومية فوق تايوان، كما توقف التهديد الصيني المعتاد بإنزالات عسكرية على الجزيرة.

ولهذا التراجع الصيني مبررات ضخمة، ليس أقلها صفقة بوينغ الأميركية لتجديد وتطوير الأسطول الجوي الصيني، والمقدّرة قيمتها بـ140 مليار دولار، فضلاً عن حاجة الصين إلى قطع المايكروتشيبس لإنتاجها الإلكتروني، والتي لا يتم شراؤها إلا من الولايات المتحدة الأميركية أو عبر تايوان، فضلاً عن حاجة الصين لحبوب الصويا التي تشتريها من الأميركيين، الموردين الأساسيين لها في هذا الإطار لتأمين أمن الصين الغذائي. وقد اشترت الصين عام 2025 تلك الحبوب من أميركا بقيمة 12 مليار دولار، وهي بحاجة لهذا العام 2026 إلى تلك الحبوب بحدود 20 مليار دولار.

وصحيح أنّ أميركا أيضاً بحاجة إلى الصين، لكن من باب تخفيض أسعار السلع نظراً للعقوبات وارتفاع معدلات الرسوم على السلع المتبادلة.

4- الصين تستورد من إيران 15% فقط من نفطها، وبالتالي وانطلاقاً من كل المعطيات أعلاه، فإن الورقة الإيرانية بيد الصينيين مرشحة للانتقال إلى يد الأميركي في القمة المقبلة.

خامساً: نقطة السقوط بالنسبة للنظام في إيران تبدأ من لحظة توقف الرواتب والمعاشات عن الباسيج والحرس الثوري، حين لا تعود العقيدة كافية للتماسك الداخلي.

لعبة الوقت اليوم بيد الأميركي، والرهان الإيراني على الصين كما على روسيا ساقط… "كالمستجير من الرمضاء بالنار".

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: