في لحظة سياسية دقيقة، اختارت الولايات المتحدة الأميركية أن ترفع سقف خطابها تجاه لبنان، واضعةً إياه أمام معادلة واضحة إما الانخراط في مسار جديد يعيد تشكيل موقع الدولة وسيادتها، أو البقاء في دائرة المراوحة بما تحمله من مخاطر مفتوحة. بيان السفارة الأميركية لم يكن مجرد موقف ديبلوماسي عابر، بل إشارة مباشرة إلى تحوّل في المقاربة، يربط بين الأمن والسيادة من جهة، وخيار السلام من جهة أخرى.
وبين ما قيل صراحة وما حُمِّل بين السطور، يبرز سؤال أساسي هل نحن أمام فرصة فعلية أم أمام ضغط سياسي مُقنّع؟
بهذا السياق، يقدّم مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية توم حرب قراءة واضحة لتوقيت ومضمون البيان، معتبراً أنه "بمثابة رسالة مباشرة للدولة اللبنانية بأن الولايات المتحدة جاهزة للدخول في شراكة كاملة، شرط أن تتخذ بيروت قرارها".
ويقول حرب في حديثٍ لموقع LebTalks إن "الولايات المتحدة ترسل رسالة أنها حاضرة ومستعدة، إذا أرادت الدولة اللبنانية العمل معنا والتوجّه نحو نزع سلاح حزب الله، وأهم ما في البيان هو أننا سنضمن أمنكم، ما يعني عملياً إمكانية الوصول إلى اتفاقية دفاعية بين لبنان وأميركا. لكن بالمقابل، هناك ثمن واضح التوجّه نحو السلام مع إسرائيل، إذ لا يمكن الاستمرار في الوضع الحالي".
ويضع حرب هذا الطرح في سياق أوسع من العمل السياسي الذي قاده لبنانيون في الولايات المتحدة منذ العام 2015، لا سيما مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مشيراً إلى أن "الحكومة الأميركية تقدّم ما كنا نطالب به، ونحن أيضاً نعبّر عن تطلعات اللبنانيين في الداخل، وما يُطرح اليوم هو نتيجة مسار ضغط طويل".
ويشدد على أن "الاتفاق الأمني وحده لا ينفع لأنه يخدم مصلحة إسرائيل فقط، بل المطلوب هو سلام واضح بحدود ثابتة، ينهي القلق الأمني المستمر منذ الستينيات، ويمنح اللبنانيين حقهم الطبيعي في العيش باستقرار، ضمن ضمانة أميركية عبر خطة دفاعية دائمة"، مضيفاً: "اليوم، إدارة ترامب، عبر السفارة الأميركية، طرحت هذا الخيار وحاولت تأمين هذا الطلب لأن الشعب اللبناني منهار. واليوم الثقل على الدولة اللبنانية، هل هي مستعدة أم لا؟ وتقع المسؤولية أيضاً على كل مواطن لبناني، بأن يطالب نوابه والأحزاب السياسية والحكومة بالتوجّه نحو هذا المسار".
أما في ما يتعلق بالتحركات السياسية المحتملة، خصوصاً الحديث عن لقاء بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ورئيس الجمهورية جوزاف عون، فيؤكد حرب أن "واشنطن تتعامل مع المسألة بوضوح إذا أراد لبنان السلام، فالباب مفتوح لهذا اللقاء، وإذا لم يرد، فهذا خياره وعليه تحمل العواقب، لكن لا يمكن أن يستمر الوضع كما هو، أميركا لن تقف إلى جانب لبنان إذا الدولة لم تعرف ما هو طريق خيرها".
ويحذّر من أن "البديل عن هذا المسار قد يكون فرض واقع أمني إسرائيلي جديد، عبر إنشائها منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية بدعم أميركي، ما قد يفتح الباب أمام استمرار التدخلات الأمنية طويلة الأمد والاستيلاء والدخول إلى لبنان لسنوات طويلة".
وعلى الصعيد الداخلي، ينتقد حرب بعض الطروحات السياسية، ومنها وضع لبنان اليوم بموقف الدول العربية والعودة إلى مبادرة بيروت 2002، معتبراً أنها "خطأ استراتيجي" في ظل التحولات الحالية، في إشارة إلى مواقف من بينها موقف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.
وفي ما يتعلق بما وصفه البيان بـ"الفرصة التاريخية"، يرى حرب أنها "ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، بل ترتبط بهامش زمني قد يمتد بين خمسة إلى سبعة أشهر، قبل أن تنتقل واشنطن إلى أولويات وقضايا أخرى، فلن تستمر بانتظار لبنان".
أما الهدنة الحالية الممتدة إلى ثلاثة أسابيع، فيعتقد حرب أنها "لن تُمدّد، خصوصاً أنها لا تعكس استقراراً فعلياً، فصحيح أن إسرائيل خفّفت من وتيرة القصف والهجمات، وأوقفت ضرب بيروت وتوسيع عملياتها إلى مناطق سكنية، إلا أنها مستمرّة بتنفيذ استراتيجيتها الأمنية خلال هذه الفترة، بغض النظر عن الهدنة".
بين عرضٍ أميركي واضح، وضغطٍ سياسي متصاعد، يجد لبنان نفسه أمام لحظة حاسمة لا تحتمل الغموض. الخيارات باتت مكشوفة، والتردد لم يعد ترفاً ممكناً. في هذا السياق، يبدو أن الانحياز إلى مسار يعيد تثبيت الدولة، ويؤمّن لها غطاءً دولياً وضمانات فعلية، بات ضرورة وجودية، لا مجرّد خيار سياسي.
الوقوف إلى جانب هذا الطرح، ودعم الانخراط في رؤية تعيد للبنان سيادته واستقراره، ينسجم مع مصلحة الدولة وموقعها في النظام الدولي. فاليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج لبنان إلى قرار واضح؛ أن يكون جزءاً من معادلة الاستقرار، لا رهينة صراعاتها.