كتبت إيلينا درسركيسيان:
مع تسريب البنود المطروحة اليوم بين لبنان وإسرائيل، يعود اسم معاهدة 17 أيار 1983 إلى الواجهة اللبنانية مجدداً، ليس بوصفه مجرد ذكرى تاريخية، بل كنموذج لاتفاق حاول نقل لبنان من منطق الحرب إلى منطق الدولة، قبل أن يسقط تحت ثقل الانقسامات الداخلية والتوازنات الإقليمية.
فعلى خلاف الصورة التي رسمت لاحقاً حول معاهدة 17 أيار باعتبارها "خيانة" أو "سقوطاً سياسياً"، فإن العودة إلى نص الاتفاق وظروف تلك المرحلة تظهر أنه كان، في جوهره، محاولة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، تثبيت الحدود، وقف العمليات العسكرية، وإعادة السلطة إلى الدولة اللبنانية بعد سنوات من الحرب والفوضى والسلاح المتفلت.
يومها، جاء الاتفاق بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان العام 1982، وفي ظل انهيار داخلي واسع، ووجود قوى مسلحة متعددة على الأراضي اللبنانية. وقد نصّ على انسحاب إسرائيل من لبنان، وإنهاء حالة الحرب، واحترام السيادة والحدود الدولية، مقابل ترتيبات أمنية متبادلة بإشراف أميركي.
لكن المشكلة الأساسية لم تكن فقط في مضمون الاتفاق، بل في البيئة السياسية التي أحاطت به. فلبنان آنذاك لم يكن يمتلك قراراً سيادياً موحداً، وكانت سوريا تعتبر أن أي تفاهم لبناني – إسرائيلي يهدد نفوذها المباشر في لبنان، ما أدى لاحقاً إلى إسقاط الاتفاق عملياً قبل تطبيقه.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، تعود عناوين مشابهة بلغة مختلفة. فالبنود المطروحة حالياً تتحدث أيضاً عن إنهاء الصراع، انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، ضمان أمن الحدود، دعم الجيش اللبناني، إعادة الإعمار، وإعادة السلطة الأمنية الكاملة للدولة اللبنانية.
حتى مفهوم "احتكار الدولة للسلاح" الذي يُطرح اليوم، لم يكن بعيداً من فلسفة اتفاق 17 أيار نفسه، الذي قام أساساً على فكرة أن الدولة اللبنانية وحدها يجب أن تكون المرجعية الأمنية والعسكرية على أراضيها.
وهنا تحديداً تكمن النقطة الجوهرية في المقارنة: لا يبدو أن المشكلة تاريخياً كانت دائماً في فكرة الاتفاق بحد ذاتها، بل في قدرة لبنان والمنطقة على تحمّل نتائج أي اتفاق من هذا النوع.
فالمنطقة في الثمانينيات لم تكن جاهزة لتسوية لبنانية – إسرائيلية مستقلة عن الصراع السوري – الإسرائيلي. أما اليوم، فإن أي تفاهم محتمل لا يزال مرتبطاً بدوره بالتوازنات الإقليمية، سواء المرتبطة بإيران، أو بالدور الأميركي، أو بمستقبل النفوذ العسكري في المنطقة.
كما أن اللغة المستخدمة اليوم تختلف بوضوح عن لغة الثمانينيات. فالورقة الحالية تحاول تقديم أي اتفاق محتمل كجزء من مشروع استقرار اقتصادي وسيادي للبنان، يترافق مع إعادة إعمار، دعم دولي، وتمكين لمؤسسات الدولة، لا كمجرد تفاهم أمني حدودي.
وفي المقابل، يرى معارضو هذه المقاربة أن أي اتفاق مباشر مع إسرائيل، مهما كانت عناوينه، يبقى محفوفاً بالمخاطر في ظل هشاشة الداخل اللبناني والانقسام السياسي القائم.
لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن جزءاً كبيراً من البنود المطروحة اليوم يشبه، إلى حد بعيد، الأفكار التي طُرحت العام 1983، والتي كان هدفها المعلن إخراج لبنان من الحرب المفتوحة وتحويل الجنوب من ساحة اشتباك دائم إلى منطقة تحت سلطة الدولة اللبنانية.
لذلك، قد تكون المقارنة الحقيقية بين 17 أيار والورقة الحالية أبعد من مجرد تشابه سياسي أو قانوني. إنها مقارنة بين لحظتين حاول فيهما لبنان الانتقال من منطق الجبهات إلى منطق الدولة، ومن إدارة الصراع إلى البحث عن صيغة استقرار طويلة الأمد.
ويبقى السؤال الذي يتكرر منذ أكثر من أربعين عاماً: هل تكمن المشكلة دائماً في الاتفاقات نفسها أم في قدرة لبنان والمنطقة على قبول فكرة السلام عندما تصبح مطروحة فعلياً؟