يبدو لبنان اليوم وكأنه يعيش مرحلة مختلفة عن الأشهر الماضية، لكن الحقيقة أن ما تغيّر ليس الحرب نفسها، بل شكلها فقط. فالقصف الإسرائيلي لم يتوقف فعلياً، إنما بات أكثر ضبطاً وانتقائية، يطال الجنوب وأجزاء من البقاع ضمن سقوف مدروسة، فيما تمّ إلى حدّ كبير تحييد بيروت والضاحية عن مشهد الاستهداف المفتوح الذي طبع المرحلة السابقة. وهذا الواقع لا يعكس سلاماً حقيقياً بقدر ما يعكس محاولة دولية وإقليمية لإدارة التصعيد ومنع انفجار شامل قد يجرّ المنطقة بأكملها إلى مواجهة واسعة لا يريدها أحد حالياً.
وفي موازاة ذلك، تتقدّم المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية بهدوء بعيداً من الضجيج الإعلامي الكبير، وسط رعاية أميركية وغطاء دولي واضح، رغم كل التناقضات والحواجز السياسية والأمنية التي لا تزال تعيق الوصول إلى تفاهم نهائي. إلا أن مجرد وجود هذا الغطاء الدولي يمنح انطباعاً بأنّ المجتمع الدولي بات أكثر جدية في منع انهيار الوضع اللبناني وتحويل الجنوب مجدداً إلى ساحة حرب مفتوحة.
لكن، هل نحن فعلاً أمام اتفاق جديد يفتح الباب أمام استقرار طويل الأمد، أم أنّ لبنان يدخل فقط في مرحلة "هدنة طويلة" تشبه إلى حدّ بعيد ما يعيشه اليوم؟
فالوقائع تشير إلى أن أي وقف إطلاق نار لن يكون مختلفاً جذرياً عن الواقع الحالي. أي استمرار للضربات الموضعية، استمرار للضغوط الأمنية والعسكرية، مراقبة دولية مشددة، ومحاولة دائمة لمنع إعادة تشكيل ميزان القوى على الحدود. بمعنى آخر، نحن لا ننتقل من الحرب إلى السلام، بل من الحرب المفتوحة إلى النزاع المضبوط.
ومن هنا تحديداً، يعود الحديث عن اتفاق 17 أيار 1983، لا كذكرى تاريخية فحسب، بل كنموذج لاتفاق حاول يومها نقل لبنان من الفوضى إلى الدولة، قبل أن يسقط تحت ثقل الانقسامات الداخلية والصراعات الإقليمية. يومها، جاء الاتفاق بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ونصّ على انسحاب إسرائيلي وترتيبات أمنية وضمانات متبادلة، لكنه انهار لأن لبنان لم يكن يمتلك قراراً سيادياً موحّداً يسمح له بحماية الاتفاق أو فرضه داخلياً.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يبدو المشهد مختلفاً في الشكل فقط. فالانقسام الداخلي لا يزال قائماً، والسلاح الخارج عن إطار الدولة لا يزال يفرض نفسه لاعباً أساسياً في تحديد مصير البلد، فيما تبقى مؤسسات الدولة عاجزة إلى حد ما عن احتكار القرار الأمني والعسكري بشكل كامل.
وفي هذا السياق، يزداد اقتناع جزء كبير من اللبنانيين بأن الحزب لا يتصرف وفق أجندة لبنانية بحتة، بل وفق أولويات مرتبطة مباشرة بالمشروع الإقليمي الإيراني. فكل التطورات الأخيرة، من شكل التصعيد إلى توقيته وإدارته السياسية والعسكرية، تؤكد أن قرار الحرب والسلم لا يزال مرتبطاً بحسابات إقليمية تتجاوز الداخل اللبناني نفسه.
وهذا تحديداً ما يجعل أي مفاوضات حالية شديدة الحساسية والهشاشة، لأن المجتمع الدولي يستطيع فرض تهدئة أو رعاية اتفاق، لكنه لا يستطيع بناء دولة مكان اللبنانيين، ولا يمكنه إنتاج سيادة فعلية في ظل وجود أكثر من قرار وأكثر من مرجعية داخل البلد الواحد.
وفي الداخل، لا يبدو المشهد أقل تعقيداً، فملف العفو العام الذي عاد إلى الواجهة خلال الجلسات الأخيرة، كشف حجم التباينات العميقة داخل المجتمع اللبناني. فالعفو لم يعد مجرد ملف قانوني أو إنساني، بل تحوّل إلى عنوان انقسام سياسي وطائفي واضح، حيث ينظر كل طرف إليه من زاويته الخاصة.
وفي المقابل، أظهر هذا الملف أن الفاعليات السنية، السياسية والدينية والاجتماعية، بدأت تستعيد نوعاً من التماسك حول موقف موحّد نسبياً بعد سنوات طويلة من التشرذم والضياع السياسي، وهو ما يعكس تحوّلاً حساساً داخل الشارع السني في ظل شعور متزايد بعدم التوازن داخل الدولة.
وفي وقت يفترض فيه أن تستعيد فيه المؤسسات الرسمية ثقة اللبنانيين، تتوالى الفضائح والتسريبات المرتبطة ببعض الأجهزة والشخصيات النافذة، ما يعمّق شعور الناس بأن الدولة نفسها تعيش حالة اهتراء داخلي غير مسبوقة. فكل ملف جديد يكشف حجم التشابك بين السياسة والأمن والنفوذ، ويؤكد أنّ الأزمة اللبنانية لم تعد أزمة حكومة أو اقتصاد فقط، بل أزمة بنية دولة كاملة.
وفي الخلفية، تبدو المنطقة بأسرها أمام مرحلة إعادة رسم للتوازنات الدولية. فالقمة الأميركية – الصينية الأخيرة لم تكن مجرد لقاء سياسي عابر، بل حملت رسائل واضحة تتعلق بمستقبل الشرق الأوسط، والملف الإيراني، وأمن الممرات البحرية، ومنع انفجار إقليمي واسع قد يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.
فالرسالة الدولية الأساسية اليوم تقوم على منع الحرب الشاملة، لكن من دون السماح أيضاً لإيران بفرض معادلاتها بالكامل في المنطقة. وهذا يعني أنّ المرحلة المقبلة ستقوم على سياسة احتواء النفوذ الإيراني وضبط الأذرع المرتبطة به، لا على مواجهة مفتوحة أو إسقاط كامل للمشروع الإيراني.
وفي قلب هذه المعادلة، يقف لبنان مرة جديدة كدولة معلّقة بين التسويات الخارجية والانقسامات الداخلية. دولة تعيش هدنة قد تطول، لكنها لا تشبه السلام الحقيقي، وتعيش استقراراً هشّاً، فيما الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسيادة والسلاح والدولة والاقتصاد لا تزال من دون أي أجوبة فعلية حتى الآن.