بعد أكثر من ثلاثة عقود على خروجه من الخدمة، عاد مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس بوصفه مادةً للوعود السياسية، بل كمشروع دخل فعليًا مرحلة التنفيذ.
ومع إعلان وزارة الأشغال العامة والنقل فضّ عروض تشغيل المطار، بدا واضحًا أن لبنان يقف أمام لحظة مفصلية تتجاوز مجرد افتتاح مطار جديد، إلى أطلاق خارطة إقتصادية لمنطقة الشمال.
أهمية القليعات لا تختصر بتخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بل تكمن في البعد الإقتصادي والسيادي والجغرافي للمشروع، فلبنان الذي اختصر لعقود حركته الجوية بمنفذ وحيد في العاصمة، يحتاج اليوم إلى بنية تحتية أكثر توازنًا وانتشارًا، خصوصًا في ظل الأزمات الأمنية والسياسية التي جعلت أي اضطراب في بيروت ينعكس فورًا على البلد بأكمله.
ومطار القليعات، الواقع في شمال لبنان، بعيدًا من مناطق النفوذ والتوتر في بيروت وتحديداً في الضاحية الجنوبية، يمنح لبنان نافذة جوية إضافية أكثر استقرارًا بالنسبة إلى شركات الطيران والمستثمرين والدول العربية والغربية التي تنظر بحذر إلى الواقع اللبناني. كما يشكل رسالة بأن الدولة قادرة على إعادة توزيع مراكزها الحيوية خارج الإحتكار الجغرافي والسياسي للعاصمة.
إقتصاديًا، يقول عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة اليسوعية الدكتور فؤاد زمكحل لموقع LebTalks، إنه يمكن للمطار أن يتحول إلى رافعة فعلية للشمال، عبر تنشيط حركة الشحن والسياحة والإستثمارات والخدمات اللوجستية، وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في عكار وطرابلس والمناطق المحيطة.
ويؤكد الدكتور زمكحل أن المطارات الحديثة لم تعد مجرد مدارج للطائرات، بل أصبحت مدناً إقتصادية متكاملة تولّد الإيرادات وتستقطب الأعمال.
لكن التجارب اللبنانية تفرض الحذر، حيث أن نجاح المشروع لن يُقاس بإعلان الفوز بالمزايدة، بل بشفافية العقود، وحجم الإستثمارات، وقدرة الدولة على حماية حصتها من العائدات ومنع تحويل المطار إلى نموذج جديد من استثمار الأصول العامة لمصلحة قوى النفوذ.
ولذلك، يشير الدكتور زمكحل إلى أن مطار القليعات اليوم أمام فرصة تاريخية، بأن يصبح بوابة إنعاش اقتصادي وإنمائي للشمال، أو يتحول إلى محطة إضافية في سجل المشاريع اللبنانية المهدورة.